إذًا لا ينفك العمل عمل الجوارح لا ينفك عن مسمى التوحيد كما أنه لا ينفك عن مسمى الإيمان، كما أنه لا ينفك عن مسمى الإسلام، فلا يقولن أحد بأن أعمال الجوارح ليست داخلةً في مسمى الإيمان، بل هي داخلة في مسمى الإيمان بإجماع السلف، وكذلك داخلة في مسمى التوحيد، فأفعال القلوب كـ: الرجاء، والخوف، والمحبة، وأفعال الجوارح كـ: الصلاة، والزكاة، والحج ونحو ذلك فهو إفراد الله بأفعال العبيد، وهذا النوع من باب الطلب الدائر بين الأمر والنهي من قبل المتكلم المقابل بالامتثال أو الترك من قبل المكلَّف، فيما سبق العلمي قلنا: هذا دائر [بين] من باب الخبر ولا شك أن الكلام ينقسم إلى ماذا؟ إلى خبرٍ وإنشاء، والإنشاء ثمانية أنواع لكن المراد هنا الطلب، افعل ولا تفعل، إذًا خبر وطلب متقابلان، ما هو الخبر؟ ما احتمل الصدق والكذب لذاته، إذًا يكون من جهة المخبر إما إثبات وإما نفي، يُقابل من جهة المخاطب بماذا؟ إما بالتصديق وإما بالتكذيب، هنا مبناه على ماذا؟ على الطلب من جهة المتكلم، إما أن يكون افْعَل وإما أن يكون لا تفعل، حينئذٍ يُقابل من جهة المخاطب بماذا؟ الامتثال في كل منهما، الامتثال في قوله: افعل. بالفعل والإيجاد، صلِّ يقوم يصلي، لا ترابِ يترك الربا، إذًا امتثال في النوعين، إما بالقيام بالفعل في باب افعل، وإما باجتناب وترك ما دل عليه صيغة لا تفعل، ولذلك قال: هذا النوع من باب الطلب الدائر بين الأمر والنهي من قبل المتكلِّم المقابل بالامتثال أو الترك من قبل المكلَّف، وهو عبادة الله تعالى وحده لا شريك له وتجريد محبته والإخلاص له وخوفه ورجاؤه والتوكل عليه والرضا به ربًّا وإلهًا ووليًّا، وأن لا يجعله له عِدْلًا في شيءٍ من الأشياء وهو توحيد العبادة ويسمى توحيد الألوهية، توحيد العبادة باعتبار المخلوق، وأما توحيد الألوهية فهذا بالنظر إلى الخالق، يعني إفراد الله بالعبادة، إن نُظِرَ فيه إلى المخلوق أضفته إلى المخلوق حينئذٍ يسمى توحيد العبادة، وإن أضيف لأن الذي يفعل العبادة من؟ هو المخلوق، إفراد الله بالعبادة، أنت الذي تعبد وأنت الذي تتصف بصفة العبادة فأنت العابد، فتفرد المعبود جل وعلا بهذه العبادة وتكون له جل وعلا دون ما سواه، وأما توحيد الألوهية فهذا بالإضافة إلى الباري جل وعلا، لأن الألوهية وصف له، ولذلك نقول: الله هذا علم دال على ذاتٍ وصفةٍ كما أن العليم علمٌ على الباري جل وعلا دالٌ على ذات وصفةٍ، كذلك الله دالٌ على ذاتٍ وصفةٍ، ما هي هذه الصفة؟ الألوهية، ما معنى الألوهية؟ يعني العبودية، ولذلك نفسر الله بأنه المعبود المطاع، وهو توحيد العبادة، والقرآن كله من أوله إلى آخره في تقرير هذين التوحيدين على التقسيم الثاني، وهو ما جرى عليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وتلميذه ابن القيم، وإن كان الأول أسهل من حيث فهم الناس له توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، والثاني هذا فيه شيء من الغموض فيحتاج إلى تأمل، والله أعلم.
وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.