الصفحة 296 من 439

والفاعل هنا الرب جل وعلا، و (يَنْزِلُ) هذا أسند الفعل إلى الباري، ومعلوم أن إسناد الفعل كما مر معنا أنه قاعدة إذا أُسند الفعل المضارع أو الماضي إلى الباري جل وعلا دل على ماذا؟ دل على إثبات صفةٍ، ما هي هذه الصفة؟ المصدر الذي اشتق منه ذلك الفعل (يَنْزِلُ) إثبات النزول، جاء ربك إثبات المجيء، أليس كذلك؟ {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] إثبات الاستواء وهكذا، فكل فعل نأخذ منه المصدر، حينئذٍ نصف الباري جل وعلا به، فينزل الرب جل وعلا حقيقةً إلى السماء الدنيا، وهي أقرب السماوات إلى الأرض، (يَقُولُ هَلْ مِن تَائِب فَيُقبِِلُ) ، (يَقُولُ) من الذي يقول؟ الله عز وجل، فيه إثبات صفة الكلام، أليس كذلك؟ ومر معنا أن إثبات الكلام أعم من إثبات القرآن، القرآن كلام من كلام الباري جل وعلا وليس كل كلام الله تعالى يكون قرآنًا، أليس كذلك؟ وهذا الحديث واضح بَيِّن، لأنه (يَقُولُ هَلْ مِن تَائِب فَيُقبِِلُ) مثلًا حينئذٍ نقول: هذا ليس بقرآن. لأن القرآن هو الذي بين الدفتين، ليس منه شيء محجوب البتة، وليس شيء منه لم ينقل على أنه قرآن، حينئذٍ نقول: هذا كلام الباري جل وعلا وليس بقرآن. إذًا الكلام أعم من القرآن، فالقرآن نوع من أنواع الكلام وليس كل كلام الله تعالى يكون قرآنًا - انتبه لهذه - لأني وجدت أن بعض طلاب العلم يلتبس عليه الأمر فيظن أن الكلام هو القرآن وليس ثَمَّ شيء آخر، هذا ليس بصحيح هذا غلط. إذًا (يَقُولُ) أي الباري جل وعلا، فيه إسناد الفعل إلى الباري وفيه صفة القول، (يَقُولُ) قولًا حقيقيًّا، أي يتكلم قائلًا (هَلْ مِن تَائِب فَيُقبِِلُ) فيُقبَلُ، فيُقبَلُ يصح لكن ينزِلُ فيقبِلُ هذا أحسن، (هَلْ) حرف استفهام، والاستفهام هنا للتشويق، كقوله تعالى: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الصف: 10] . وليس المراد به الاستخبار، يعني ليس على بابه، إنما المراد به التشويق، لو كان على بابه هل من تائب؟ هل يوجد أحد فلا يعلم يعني يستخبر هل جاء زيد؟ أنت لا تعلم مجيء زيد، أليس كذلك؟ هذا يُسمى استخبار، إذا قيل أن الاستفهام على بابه، يعني أراد به الاستخبار إفادة الخبر لا يعلم فيستخبر فيطلب الخبر، هل الباري جل وعلا، هل من تائب؟ على هذا المنوال؟ الجواب: لا. لأنه يعلم، يعلم ما يكون وما سيكون وما هو كائن لعموم علمه جل وعلا، إذًا ليس المراد به الاستخبار لأنه سبحانه يعلم كل شيء فهو تشويق للعباد أن يسألوه ويدعوه وأن يستغفروه، وفي هذا غاية الجود والكرم منه جل وعلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت