فعجزوا عن ذلك كله، لا عشر سور ولا سورة ولا عشر آيات ولا حديث ما يطلق عليه أنه حديث، ولم يطمعوا في شيء منه، مع أنهم ماذا؟ مع أنهم فحول اللغة، وفرسان الفصاحة، وأهل البلاغة، وأعلم الناس بنثر الكلام ونظمه، مع شدة معاندتهم لرسول - صلى الله عليه وسلم - وما جاء به، وحرصهم على معارضته بكل ممكن، ولكن جاءهم ما لا قِبَلَ لهم به وأتاهم ما لا يُطِيقُون، فلما رأوا وجوه إيجازه وإعجازه ومبانيه الكاملة ومعانيه الشاملة، وإخباره عن الأمم الماضية، والغيوب المستقبَلة، والأحكام الواقعة، ونبأِ الوعد والوعيد والترغيب والترهيب والتهديد وغير ذلك على أكمل وجه وأوضح بيان وأعلى قصص وأعظم برهان، علموا أنه ليس بكلام المخلوقين. أدركوا ذلك واستيقنوا ولكن العناد والمكابرة جعلتهم يرمون القرآن بما مرَّ، علموا أنه ليس بكلام المخلوقين ولا يشبه كلام المخلوقين، وعلموا أنه الحق وإنما رموه بالإثم والبهتان بقولهم كاهن شاعر مجنون وغير ذلك، إنما هو مكابرة وعناد مع الاعتراف بذلك فيما بينهم {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42] فلا يأتي مبطل بشبهةٍ إلا وفيه إزهاق باطله وكشف شبهته وإدحاض حجته كما هو معلوم عند من عرف مواقع النزول، ويكفيك في ذلك قوله عز وجل: {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان: 33] .
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى:
يُحْفَظُ بِالقَلْبِ وَبِاللَّسَانِ ... ( ... يُتْلَى كَمَا يُسْمَعُ بالآذَانِ
كَذَا بِالابْصَارِ إِلَيْهِ يُنْظَرُ ... ( ... وَبِالأيَادِي خَطُّهُ يُسَطَّرُ
وَكُلُّ ذِي مَخلُوقَة حَقِيقَهْ ... ( ... دُونَ كَلامِ بَارِئِ الْخَلِيقَةْ
جَلَّتْ صِفَاتُ رَبِّنَا الرَّحْمنِ ... ( ... عَنْ وَصْفِهَا بِالْخَلْقِ وَالْحَدثَانِ
فَالصوْتُ والأَلْحَانُ صَوتُ الْقَارِي ... لكنَّمَا الْمَتلُوُّ قَوْلُ الْبَارِي
مَا قَاَلهُ لاَ يَقبَلُ التَّبْدِيلا ... ( ... كَلاَّ وَلاَ أصْدَقُ مِنهُ قِيلا