قال إمام السنة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: من قال القرآن مخلوق فهو عندنا كافر. لأن القرآن من علم الله، وهو كذلك، وعلم الله صفة له، وفيه أسماء الله تعالى، وأسماؤه ليست بمخلوقة، والأسماء تدل على صفات، وإذا قيل: الأسماء مخلوقة. فصفاته كذلك مخلوقة، ما الذي ينبني على هذا القول. وقال: إذا قال الرجل العلم مخلوق فهو كافر، لأنه يزعم أنه لم يكن لله علم حتى خلقه. وقال رحمه الله تعالى: من قال القرآن مخلوق فهو عندنا كافر، لأن القرآن من علم الله، قال الله تعالى: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} [آل عمران: 61] . إذًا سماه علمًا، وقضى السلف الصالح رحمهم الله تعالى على الطائفة الواقفة وهم القائلون لا نقول: القرآن مخلوق ولا غير مخلوق. وُجِدَ بعضهم تَوَرَّع أو كَفّ أو لم يظهر له فقال: القرآن ليس بمخلوق لا نقول، لا نقول أنه مخلوق ولا غير مخلوق. يُسمون ماذا؟ الواقفة، هؤلاء مبتدعة، قال: بأن من كان منهم يُحسن الكلام فهو جمهيّ، ومن لم يحسن الكلام منهم بل عُلِمَ أنه كان جاهلًا جهلًا بسيطًا فهو تقام عليه الحجة بالبيان والبرهان فإن تاب وآمن أنه كلام الله تعالى وإلا فهو شَرٌّ من الجهمية. إذًا نجزم هذا المراد هنا، نجزم بأن كلام الله ليس بمخلوق، لا نقول: نتوقف، لا ندري، يحتمل أنه مخلوق أو ليس بمخلوق؟ نقول: هذا يُعتبر شرًّا من الجهمية. والقول بأن الخوض في هذه المسائل خوض في تاريخ سبق نقول: هذا كذلك يلحق بهم، لماذا؟ لأن العقيدة لا بد من الجزم بها هنا، لا بد أن يصرح ويعتقد لو لم يصرح لا بد أن يعتقد بقلبه بأن القرآن كلام الباري جل وعلا، وأما إذا قال: دعونا من هذا الخلاف أكل عليه الدهر وذهب والجماعات انتهت، الجهمية وليس عندنا جهمية. لا، الجهمية موجودة قائمة، والمعتزلة موجودن كذلك، والأشاعرة هذا واضح بَيّن، حينئذٍ نقول: هؤلاء كلهم أقاويلهم موجودة، نعم أربابها الأولون ماتوا تحت التراب، لكن أقاويلهم موجودة وهي محفوظة عندهم ويرددونها صباح مساء. (ولا بِمُفْتَرَى) يعني القرآن (لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ ولا بِمُفْتَرَى) يعني ولا بمختلق، ليس بمختلق ليس بمكذوب مفترى على الباري جل وعلا، وأكثر ما يستعمل الافتراء في الإفساد، واستعمل في القرآن في الكذب والشرك والظلم ونحو ذلك، قال تعالى: ... {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48] . سَمَّى الشرك افتراء وهو كذلك، وفي الكذب {افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ} [الأنعام: 140] ، في غير موضع {وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} [المائدة: 103] ، {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ} [هود: 50] دل على ماذا؟ على أن الافتراء يطلق ويراد به الكذب، أي وليس القرآن بمفترى كما قاله كفار قريش وغيرهم من أعداء الله تعالى حيث قالوا فيه: {إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ} [المدثر: 24] . يؤثر عن بشر يعني، وقالوا: {إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ} [الفرقان: 4] .