الصفحة 262 من 439

الدلالة الأولى وهي مقدمة على كونه مفصلًا أن الكتاب هو القرآن أو لا؟ {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا} إذًا الكتاب هو القرآن، والقرآن هو الكتاب، إذًا ليس بشيء آخر، فلو ادَّعَى مُدَّعٍ بأن الكتاب الذي تعنون به ليس هو القرآن، والقرآن ليس هو الكتاب، نقول: كذبت، لأن الباري جل وعلا قال: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا} . هذا حال، {كِتَابٌ} هذا مبتدأ، {فُصِّلَتْ} هذا خبر، {آَيَاتُهُ} هذا نائب فاعل، {قُرْآَنًا} حال من كتاب، والحال ما معناه؟ صفة، صفة لصاحبها، هنا فائدة، إذًا كتاب من صفاته أنه قرآن، فهو بعينه وليس بشيء آخر، {قُرْآَنًا عَرَبِيًّا} قوله: {فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ} . أي بُيِّنَت معانيه وَأُحْكِمَت أحكامه، إذًا المفصل مأخوذ من البيان، ومأخوذ من الإحكام وإن كان جاء تفصيل بينهما، أي بُيِّنَت معانيه وَأُحْكِمَت أحكامه، {قُرْآَنًا عَرَبِيًّا} أي في حال كونه قرآنًا عربيًّا بيِّنًا واضحًا فمعانيه مفصله وألفاظه واضحة غير مشكلة، إذًا التفصيل المراد به هنا ماذا؟ البيان للأحكام وإحكام الأحكام كذلك، فهو معجز من حيث لفظه ومعناه، قال القرطبي في هذه {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ} : أي بينت وفسرت، قال قتادة: ببيان حلاله من حرامه. هذا التفصيل بُيِّنَ الحلال وَبُيِّنَ الحرام، إذًا فيه تمييز أو لا؟ فيه تفصيل أو لا؟ فيه تفصيل، لأن الفصل هو القطع فميَّز وفصل بين الحلال والحرام، وهذا واضح في القرآن ولا يلتبس على أحد، قال قتادة: ببيان حلاله من حرامه وطاعته من معصيته. وقال الحسن: بالوعد والوعيد. وقال سفيان: بالثواب والعقاب. وهذه كلها الأقوال داخلة في معنى فصلت، يعني وقع التفصيل ببيان الحلال من الحرام، وببيان الطاعة من المعصية وببيان الوعد من الوعيد والثواب والعقاب كذلك، وكله موجود في القرآن ولكل من هذه صفة تتعلق به، {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا} . وقال سبحانه: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود: 1] . {كِتَابٌ} هذا مبتدأ، و {أُحْكِمَتْ} الجملة خبر عنه، و {آَيَاتُهُ} نائب فاعل، {ثُمَّ فُصِّلَتْ} ، يعني آياته، فوصف الآيات بالإحكام، ووصف الآيات بالتفصيل، التفصيل كما سبق، والإحكام المراد أنها محكمة متقنة لأن الإحكام أو الحكيم والحكم تأتي بمعنى الإتقان، صارت محكمةً متقنةً لا نقص فيها ولا نقض لها كالبناء المحكم، إذًا الإحكام من الإتقان، والتفصيل ببيان الحلال والحرام والطاعة والمعصية على ما مرَّ، إذًا هذان وصفان للآيات، فقوله: [ (كِتَابِهِ المُفَصَّلْ) ] . على جهة العموم، يعني إذا وصف الكتاب بكونه مفصلًا على جهة العموم فيحمل على المعاني السابقة، لو وصف في هذا المقام بالإحكام، حينئذٍ نحمله على ماذا؟ على الإتقان، فلا إشكال في كون المصنف هنا وصفه بكونه المفصل لأنه جاء في القرآن {أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ} هذان وصفان، فلا بأس أن يجتمعا، ولا بأس أن يوصف القرآن بأحدهما ويترك الآخر، {مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} هذا لف ونشر، والمعنى أحكمها حكيم، وفصلها خبير عالم بمواقع الأمور، قاله الشوكاني رحمه الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت