قال: وقد رُوِيَ - ابن كثير رحمه الله تعالى - وقد رُوِيَ أن هذه الآية نزلت جوابًا لليهود. قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى حدثني محمد بن أحمد محمد عن سعيد بن جبير أو عكرمة هذا أو ذاك عن ابن عباس رضي الله عنهما أن أحبار يهود قالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة: يا محمد أرأيت قولك: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85] . إيانا تريد أم قومك؟ تريد من؟ اليهود أم قومك المشركين؟ يعني: العرب، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «كلاكما» . يعني اليهود والمشركون في مكة، قالوا: ألست تتلو فيما جاءك أن قد أوتينا التوراة فيها تبيان لكل شيء؟ أليس كذلك؟ فقال رسول الله: «إنها في علم الله قليل، وعندكم من ذلك ما يكفيكم» . {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] باعتبار من؟ باعتبار التالي، وأما باعتبار الباري جل وعلا فهي شيء قليل، وأنزل الله فيما سألوه عنه من ذلك ... {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ} .. الآية، وهكذا رُوِيَ عن عكرمة وعطاء بن يسار وهذا يقتضي أن هذه الآية مدنية لا مكية، والمشهور أنها مكية، والله أعلم.
وقوله: {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي عزيز قد عَزَّ كل شيء وقهره وغلبه، فلا مانع لما أراد، ولا مخالف لأمره، ولا معقب لحكمه، حكيم في خلقه وأمره وأقواله وأفعاله وشرعه وجميع شئونه. انتهى كلام ابن كثير رحمه الله تعالى.
وعن جويرية رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج من عندها ثم رجع بعد أن أضحى - يعني: دخل وقت الضحى وهي جالسة - فقال: «ما زلتي على الحال التي فارقتك عليها» ؟ يعني تذكر الله تعالى، قالت: نعم. قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلتي منذ اليوم لوزنتهن، سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلاماته» . رواه مسلم والأربعة، والمقصود أن كلمات الله تعالى باقية لا تنفد أبدًا، تامة لا تنقص أبدًا، وذلك لأن كلامه صفته جل وعلا، وليس من صفاته شيء ينفد، ولذا أخبرنا تعالى أن جميع أشجار الأرض لو كانت أقلامًا والبحار وأضعافها مدادًا يُكتب بها كلماته لنفدت كُلَّها، وكلماته باقية لا تنفد، وذلك لأن الأشجار والبحار مخلوقة، والمخلوقات من لازمها النفاد والفناء، وكلامات الله صفة وليس من صفاته شيء يفنى بل هو الباقي بأسمائه وصفاته أزلًا وأبدًا، {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 88] ، والله أعلم.
وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أسئلة:
س: هذا يقول هل من أصول اعتقاد الخوارج أنه لا تقبل توبة صاحب الكبيرة؟
ج: الجواب: لا، الصحيح أنها تقبل، لكن واقع الكبيرة يعتبر كافرًا عندهم.
س: هل يقال إن الأشاعرة من أهل السنة وكيف يجاب عن ما صدر من الحافظ إلى آخره؟
ج: الصواب أن الأشاعرة ليست من أهل السنة، فهم يختلفون معهم في الأصول والفروع.
[والله أعلم]