وعلمنا النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذكر الاعتدال في الركوع «ربنا لك الحمد ملء السماوات والأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد» ، والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة، والمقصود أن الرب عز وجل لا يكون إلا محمودًا كما لا يكون إلا ربًّا وإلهًا، ويحمد على كل فعلٍ، فله الحمد كله، وله الملك كله، لا شريك له في حمده كما لا شريك له في ملكه، وإن كان بعض خلقه محمودًا كالرسل والعلماء فمرجع ذلك الحمد إليه، لأن الذي علمهم وأعطاهم ورفع قدرهم هو الله عز وجل، كما أن مصدره وموجبه منه تعالى وهو الذي جعلهم كذلك، وهذا كما أنه الملك جل وعلا لا شريك له في ملكه، ويرزق بعض عباده إذا شاءً ملكًا، يعطيهم ماذا؟ يعطيهم الملك وهو مَالِكُهُ ومَلِكُهُم، وكما أنه العليم {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} [البقرة: 255] فَيُعَلِّمُ بعض عباده من علمه ما شاء، وقال في ذكر عبده يعقوب عليه السلام: {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ} [يوسف: 68] . وكذلك ما من محمود في السماوات ولا في الأرض إلا وذلك الحمد راجع إلى الله عز وجل في الحقيقة، فحمد كل محمود داخل في حمده، كما أن كل مُلْكٍ داخل في ملكه وكل شيء فمنه وله وإليه، فله الحمد رب السماوات والأرض رب العالمين، {وَلَهُ الْكِبْرِيَاء فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ، وهذا كله من كلام الشارح رحمه الله تعالى فقد أجاد في هذا المقام.
قال رحمه الله تعالى:
وهُوَ الَّذِي يَرَى دَبِيبَ الذَرِّ ... في الظُّلُمَاتِ فَوْقَ صُمِّ الصَّخْرِ