إذًا الحكم والحاكم والحكيم هذه أسماء عند بعض أهل العلم، والمصنف هنا قال: (وَحَاكِمٌ جَلَّ بِمَا أرَادَهْ) . يحتمل أنه أراد أنه اسم ثابت للباري جل وعلا، وهذا ظاهر صنيعه، ويحتمل أنه أراد أنه متصف بصفة الحكم حينئذٍ يكون من قبيل الخبر، يكون خبرًا عن الله عز وجل، ويكون خبرًا جائز الإخبار به عن الرب جل وعلا لأنه ثابت، وكل ما يخبر به عن الباري وأصله ثابت في الكتاب والسنة فلا إشكال في جوازه، وورد الحاكم بصيغة الجمع في خمس آيات منها قوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} [التين: 8] . {الْحَاكِمِينَ} هذا جمع بواو ونون وأصله حاكم جمع حاكمين، وقوله: {فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} [الأعراف: 87] . حاكمين جمع حاكم، وعده بعضهم من الأسماء وهو ظاهر ولا إشكال فيه، وعد بعضهم الْحَكَمَ اسمًا من أسماء الله تعالى كما في قوله تعالى: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا} [الأنعام: 114] . ورد في آية واحدة فقط، {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا} ، وجاء ذكره في تعداد الأسماء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه الْحَكَم، فمن صحح الحديث وحسنه حينئذٍ الحكم يكون ثابتًا عنده بالنص - الحديث مر معنا أنه التعداد هذا يُعتبر مدرجًا وهو ضعيف -. ومن أسمائه تعالى الحكيم وورد في أربع وتسعين آية منها قوله تعالى: {وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} . وقوله: {وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} . إذًا ثبت أنه اسم، قال ابن جرير في تفسير قوله تعالى: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا} قل فليس له أن أتعدَّى حكمه وأتجاوزه لأنه لا حَكَمَ أعدل منه، ولا قائل أصدق منه. وقال القرطبي: والمعنى أفغير الله أطلب لكم حَاكِمًا. فَفَسَّرَ الْحَكَم بمعنى الْحَاكِم. وقال ابن كثير في قوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} أي أَمَا هو أحكم الحاكمين الذي لا يجور ولا يظلم أحدًا. (وَحَاكِمٌ جَلَّ بِمَا أرَادَهْ) ، (بِمَا أرَادَهْ) يعني بالذي أراده فيه عموم بأن الله تعالى إذا أراد شيئًا حكم به، (وَحَاكِمٌ جَلَّ بِمَا أرَادَهْ) إما حُكْمًا كونيًّا إذا كانت الإرادة كونية، وإِمّا حُكْمًا شرعيًّا إذا كانت الإرادة شرعية، ومر الفرق بين الإرادتين. (وَحَاكِمٌ جَلَّ بِمَا أرَادَهْ) فلا معقب لحكمه، ولا راد لإرادته، ولا مناقض لقضائه وقدره، وما كان ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض، بل هو فعال لما يريد، {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} [القصص: 68] ، {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُون} [البقرة: 117] ، {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82] {إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} [المائدة: 4] ويفعل ما يشاء، ويخلق ما يشاء، لا ناقض لما أبرم، ولا معارض لما حكم، ولا يقال: لم فعل كذا، وهل لا كان كذا، لأنه لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون.
فَمَنْ يَشَأْ وَفَّقَهُ بِفَضْلِهِ ... وَمن يَشَأْ أضَلَّهُ بِعَدْلِهِ