الصفحة 194 من 439

وقال تعالى: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [فاطر: 3] ، وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ} [التغابن: 2] يعني خلقكم وخلق كذلك الكافر والإيمان، إذ الكفر والإيمان من أفعال العباد، والعباد مخلوقون، وكذلك أفعالهم، كما قال سبحانه: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} ... [الصافات: 96] فلله الخلق والأمر وله الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير. إذًا (مُنفَرِدٌ بِالْخَلْقِ) جل وعلا دل على أن الله تعالى متصف بهذه الصفة على وجه الكمال لا يَشْرَكه فيها أحدٌِ البتة من خلقه، ثم هو منفرد في هذه الصفة كما أنه منفردٌ في جميع الصفات، لكن لا يفسر كلمة التوحيد بلا إله لا خالق إلا الله بمعنى أنه إذا كان الباري جل وعلا منفردًا بجميع أفعال الربوبية لا يُجعل ذلك نصًا أو دلالة مطابقة لكلمة التوحيد لأن كلمة التوحيد معناه بالإجماع إجماع السلف وإجماع الرسل قبل ذلك، والدلالة القطعية من حيث الكتاب والسنة أن معنى (لا إله) يعني لا معبود حقٌ إلا الله، لا إله إلا الله لا معبود بحقٍ أو حقٌ إلا الله، فتفسير الإله بفرد من أفراد الربوبية إن أريد به أنه مطابقة فهو باطلٌ مردود على صاحبه، إذا قيل (لا إله) يعني لا خالق إلا الله، ولا قادر إلا الله، أو لا حاكم إلا الله، كل ذلك يعتبر من الباطل ومن التحريف. ثم قال الناظم رحمه الله تعالى: ... (وَالإرَادَةْ) عطفٌ على الخلق (مُنفَرِدٌ بِالْخَلْقِ وَالإرَادَةْ) أي ومنفردٌ بالإرادة، وهذا تنصيصٌ لِمَا دخل فيما سبق بمعنى أنه ليس فيه حكم جديد، إنما هو من باب التأكيد ولعله اضطُر إلى ذلك (وَالإرَادَةْ) بالإسكان أي منفردٌ بالإرادة، فلا مراد لأحدٍ معه ولا إرادة لأحدٍ إلا بعد إرادته عز وجل ومشيئته، وهو منفردٌ جل وعلا بالإرادتين كما قال تعالى: {كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَاء ذَكَرَهُ * وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} [المدثر: 54، 55، 56] ، وقال تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ * لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 27، 28، 29] فالخلق لهم مشيئة إلا أنها تابعةٌ لمشيئة الباري جل وعلا، فللعبادة قدرة على أعمالهم ولهم مشيئة لا يمكن أن يوجد عمل من الخلق من العباد إلا بقدرةٍ وإرادة، إلا بقدرةٍ تامة وإرادة جازمة، وإذا تخلف العمل مع وجود الإرادة حينئذٍ نقول: هذه إرادة ضعيفة وليست بجازمة، أو توجد الإرادة الجازمة مع قدرة إلا أنه لا تكون تامة، فلا بد من اجتماع هذين الأمرين قدرةٌ تامة وإرادة جازمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت