أن السمع هو الباري جل وعلا، لا، ليس هذا المراد، وليس معنى ذلك أن يكون جوارح العبد أن يكون الباري جوارح للعبد تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، وإنما المراد أن من اجتهد بالتقرب إلى الله عز وجل بالفرائض، ثم بالنوافل قرَّبه إليه ورقَّاه من درجة الإيمان إلى درجة الإحسان، لأن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإذا لم تكن تراه فإنه يراك، فيصير يعبد الله تعالى على الحضور والمراقبة هذا معنى الإحسان بالمعنى أو الدرجة الثانية، كأنه يراه فيمتلئ قلبه بمعرفة الله تعالى ومحبته وعظمته وخوفه ومهابته وإجلاله والإنس به والشوق إليه حتى يصير هذا الذي في قلبه من المعرفة مشاهدًا له بعين البصيرة، فمتى امتلئ القلب بعظمة الله تعالى مَحَى ذلك من القلب كل ما سواه، ولم يبقَ للعبد شيء من نفسه وهواه، ولا إرادة إلا لما يريد منه موالاه، حينئذٍ إذا بلغ إلى هذه المرحلة لا يسمع إلا ما أذن الله تعالى بسماعه، ولا يُبصر إلا ما أذن الله عز وجل بالإبصار إليه، حينئذٍ لا ينطق العبد إلا بذكره، ولا يتحرك إلى بأمره، فإذا نطق نَطق بالله، وإن سمع سمِع به، يعني ما يرضي الباري جل وعلا، وإن نَظر نَظر به يعني بما يرضي الباري جل وعلا، وإن بطش بَطش به، فهذا هو المراد بقوله عز وجل: «كنت سمعه الذي يسمعه به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها» . قوله رحمه الله تعالى: (وَهُوَ الْقَريِبُ جَلَّ في عُلُوِّهِ) . فهو سبحانه وتعالى مستوٍ على عرشه عالٍ على جميع خلقه، وهو قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، ويعلم سره ونجواه وهو أقرب إلى داعيه من عنق راحلته، ويعلم ما توسوس به نفس الإنسان، وهو أقرب إليه من حبل الوريد، فإن الذي عند عنق راحلته أو عند حبل وريده لا يعلم لأننا البشر لا يعلم ما خفي عليه من كلامه، والله عز وجل على عرشه ويعلم السر وأخفى، ويعلم ما يلج في الأرض، وما يخرج منها، وما ينزل من السماء، وما يعرج فيها، وهو مع خلقه بعلمه وقدرته لا تخفى عليه منهم خافية، {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ} [يونس: 61] فهو على كل شيء شهيد، وبكل شيء محيط، وهو سبحانه قريب في علوه العلي في دنوه، وهو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم.
قال شيخ الإسلام: وما ذُكر من الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا يُنافي ما ذكره من علوه وفوقيته، فإنه سبحانه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} في جميع نعوته وهو عليّ في دنوه، قريب في علوه. وهذا نص الواسطية، ولذلك نظمه المصنف رحمه الله تعالى، إذًا قوله:
وَمَعَ ذَا مُطَّلِعٌ إلَيْهِمُو ... بعلْمِهِ مُهَيْمنٌ عَلَيْهِمُو
أراد به إثبات صفة المعية، ثم أراد أن يبين أنه لا تنافي بين إثبات المعية وبين إثبات علو الذات، فقال:
وَذِكرُهُ لِلقُرْبِ وَالْمَعِيَّةْ ... لَمْ يَنْفِ لِلْعُلُوِّ وَالْفَوْقِيةْ
فَإِنَّهُ الْعليُّ في دُنُوِّهِ ... وَهُوَ الْقَريِبُ جَلَّ في عُلُوِّهِ
والله أعلم.
وصَلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.