يقول رحمه الله تعالى: هي أركان العلم والمعرفة فحقيق بالعبد أن يبلغ في معرفتها إلى حيث ينتهي به قواه وفهمه - لأن قواه في الفهم تختلف، والفهم يكون قويًّا ويكون متوسطًا ويكون ضعيفًا - واعلم أن لك أنت أولًا وآخرًا، أنت لك أول كنت معدومًا ولك آخر حينئذٍ تكون ماذا؟ تكون معدومًا، وظاهرًا وباطنًا، أن لك أنت أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا بل كل شيء فله أول وآخر وظاهر وباطن حتى الخطرة واللحظة والنَّفَس وأدنى من ذلك وأكثر. فأولية الله عز وجل إذا كان كل مخلوق له أول وله آخر، وله ظاهر وله باطن، فأولية الله عز وجل سابقة على أولية كل ما سواه، وآخريته سبحانه ثابتة بعد آخرية كل ما سواه، فأوليته سبقه لكل شيء وآخريته بقاؤه بعد كل شيء، وظاهريته سبحانه فوقيته وعلوه على كل شيء، ومعنى الظهور يقتضي العلو، وظاهر الشيء هو ما علا منه وأحاط بباطنه، وبطونه سبحانه إحاطته بكل شيء بحيث يكون أقرب إليه من نفسه، وهذا قرب غير قرب المحب من حبيبه، هذا لون وهذا لون، فمدار هذه الأسماء الأربعة على الإحاطة، يعني: الأول والآخر والظاهر والباطن فيها إحاطة، وهي إحاطتان: زمانية، ومكانية.
فإحاطة أوليته وآخريته بالقبل والبعد، فكل سابق انتهى إلى أوليته، وكل آخر انتهى إلى آخريته، فأحاطت أوليته وآخريته بالأوائل والأواخر، يعني ما من أول إلا والله سابق عليه، وما من آخر إلا والله باقٍ بعده جل وعلا، وأحاطت ظاهريته وباطنيته بكل ظاهر وباطن، فما من ظاهر إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله دونه، وما من أول إلا والله قبله، وما من آخر إلا والله بعده، فالأول قِدَمُه، والآخر دَوَامُه وبقاؤه، والظاهر عُلُوُّه وعظمته، والباطن قُرْبُهُ وَدُنُوّه، فسبق كل شيء بأوليته، وبقي بعد كل شيء بآخريته، وعلا على كل شيء بظهروه، ودنا من كل شيء ببطونه، فلا تواري منه سماءٌ سماءَ، ولا أرضٌ أرضَ، ولا يحجب عنه ظاهرٌ باطنًا، بل الباطن له ظاهر، والغيب عنده شهادة، والبعيد منه قريب، والسر عنده علانية، فهذه الأسماء الأربعة تشتمل على أركان التوحيد، فهو الأول في آخريته، والآخر في أوليته، والظاهر في بطونه، والباطن في ظهوره، لم يزل أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا، وهذا كلام موجود عندكم في الشرح.
الأحَدُ الفَرْدُ الْقَدِيرُ الأزَليّ ... الصَّمَدُ الْبَرُّ الْمُهَيْمِنُ العَلِيّ
هذا يحتاج إلى وقفةٍ نقف على هذا، والله أعلم.
وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.