الأول: الإحصاء بمعنى العدّ، والمعنى أن يعدها حتى يستوفيها حفظًا ويدعو ربه بها ويثني عليه بجميعها، كقوله تعالى: {وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا} [الجن: 28] . يدل على هذا أنه جاء في رواية عند البخاري «لا يحفظها أحدًا» . ليس فيه «من أحصاها» . قال: «لا يحفظها» . إذًا علّق الحكم بماذا؟ بالحفظ، وهذا اختيار الإمام البخاري رحمه الله تعالى أن المراد بالإحصاء هو الحفظ، وغيره من المحققين كما قال النووي التحقيق بوصف النووي ورجحه الخطابي، وابن الجوزي، والنووي، وذكر أن عليه الأكثرين، قال الحافظ بـ (( الفتح ) ): فيه نظر. يعني تفسير الإحصاء بكونه الحفظ قال: فيه نظر. لأنه لا يلزم من مجيئه بلفظ حفظها يعني الحفظ السابق بدل من أحصاها تعيين السرد عن ظهر قلب بل يحتمل الحفظ المعنوي، يعني: «لا يحفظها أحد» . هذا عام يشمل الحفظ اللفظي وكذلك الحفظ المعنوي، ثم يحمل بين الروايتين لا نقيد الحفظ أو «من أحصاها» . بكونه يحفظها وإنما نقول: من إحصائها حفظها، فليس المراد بالإحصاء العدّ فقط لأنه قد يعدُّها الفاجر، هكذا قيل، وهذا فيه نظر قد يعدها الفاجر وقد يصلي الفاجر، أليس كذلك؟ وقد يصوم الفاجر ويزكي ويحج لا يلزم من ذلك أن يكون لكون الفاجر يعدها حينئذٍ امتازت عن غيرها، على كلٍّ هذا المراد وفيه نظر.
قال الناظم: والظاهر أن معنى حفظها وإحصائها هو معرفتها. يعني عدُّها، والقيام بعبوديتها وهذا لا يتأتى إلا إذا عرف معناها وهو كذلك كما أن القرآن لا ينفع حفظ ألفاظه من لا يعمل به، صحيح؟ القرآن لا ينفع إذا لم يعمل به {فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} يرددها ويحفظها ويراجع ولكن لا يصلي ما الفائدة؟ {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] ولا يصوم، {وَآَتُوا الزَّكَاةَ} ولا يزكي.
إذًا بل جاء في المراق من الدين أنهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم وهذا معنى ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى حيث قال: إن الإحصاء على ثلاث مراتب:
أولًا: إحصاء ألفاظها وعددها. يعني جمعها.
ثانيًا: فهم معانيها ومدلولها.
ثالثًا: دعاؤه بها كما قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} .
وهو مرتبتان، يعني: الدعاء، دعاء ثناء وعبادة، ودعاء طلب ومسألة. فلا يُثْنَى عليه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى.
هذه القاعدة وهي متعلقة بأسماء الله عز وجل وأنها غير محصورة في عدد معين، وعرفنا وجه الإشكال عند ابن حزم رحمه الله تعالى في كونها محصورة في تسعة وتسعين، وأن مذهبه باطل ومردود عليه، ويأتي بقية القواعد، والله أعلم.
وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أسئلة: