هذيانها، والأرض من دواوينها.
وما أكثر المستجيبين لهؤلاء، والقابلين منهم، والقائمين بدعوتهم، والمحامين عن حوزتهم، والمقاتلين تحت ألويتهم، والمكثرين لسوادهم!
ولعموم البلية بهم، وضرر القلوب بكلامهم، هتك الله أستارهم في كتابه غاية الهتك، وكشف أسرارها غاية الكشف، وبين علاماتهم، وأعمالهم، وأقوالهم، ولم يزل - عز وجل - يقول: ومنهم ... ومنهم ... ومنهم ... حتى انكشف أمرهم، وبانت حقائقهم، وظهرت أسرارهم.
وقد ذكر الله - سبحانه وتعالى - في أول سورة البقرة أوصاف المؤمنين والكفار والمنافقين؛ فذكر في أوصاف المؤمنين ثلاث آيات، وفي أوصاف الكفار آيتين، وفي أوصاف هؤلاء بضع عشرة آية؛ لعموم الابتلاء بهم، وشدة المصيبة لمخالطتهم؛ فإنهم من الجلدة، مظهرون الموافقة والمناصرة؛ بخلاف الكافر الذي قد تأبد بالعداوة، وأظهر السرية، ودعاك بما أظهره إلى مزايلته ومفارقته.
ونظير لهذين المثلين المثلان المذكوران في سورة الرعد في قوله - تعالى: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا} [الرعد: 17] .
فهذا هو المثل المائي، شَبَّه الوحي الذي أنزله بحياة القلوب بالماء الذي أنزله من السماء، وشبه القلوب الحاملة له، بالأدوية الحاملة للسيل؛ فقلب كبير يسع علمًا عظيمًا كوادٍ كبير يسع ماءً كثيرًا.
وقلب صغير كواد صغير يسع علمًا قليلًا.