فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 88

فحملت القلوب من هذا العلم بقدرها، كما سالت الأودية بقدرها.

ولما كانت الأودية ومجاري السيول فيها الغثاء ونحوه؛ مما يمر عليه السيل، فيحتمله السيل، فيطفو على وجه الماء زبدًا عاليًا، يمر عليه متراكبًا، ولكن تحت الماء الفرات الذي به حياة الأرض، فيقذف الوادي ذلك الغثاء إلى جنبتيه، حتى لا يبقى منه شيء، ويبقى الماء الذي تحت الغثاء يسقى الله تعالى به الأرض، فيحيي به البلاد والعباد، والشجر والدواب، والغثاء يذهب جفاءً يجفى، ويطرح على شفير الوادي.

فكذلك العلم والإيمان الذي أنزله في القلوب، فاحتملته، فأثار منها بسبب مخالطته لها ما فيها من غثاء الشهوات، وزبد الشهوات الباطلة، يطفو في أعلاها، واستقر العلم والإيمان والهدى في جذر القلب؛ فلا يزال ذلك الغثاء والزبد يذهب جفاءً، ويزول شيئًا فشيئًا، حتى يزول كله، ويبقى العلم النافع والإيمان الخالص في جذر القلب؛ يرده الناس، فيشربون، ويسقون، ويمرعون [1] .

وفي «الصحيح» من حديث أبي موسى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مثل ما بعثني الله - تعالى - به من الهدى كمثل غيث أصاب أرضًا، فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها طائفة أجادبُ أمسكت الماء، فسقى الناس وزرعوا.

(1) أي: يخصبون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت