فهرس الكتاب

الصفحة 526 من 578

لقد أولع العثمانيون في عصورهم المتأخرة بالبناء على كل ما يعظمه الناس في ذلك العصر سواء أكان ما يعظمونه قبورًا أو آثار لأنبياء أو غير ذلك.

وأصبحت تلك المشاهد والأضرحة محلًا للاستغاثة والاستعانة بأصحابها وانتشرت عقائد شركية كالذبح لغير وجه الله والنذر للأضرحة، والاستشفاء وطلب البراء من الأضرحة والاعتصام بها، وأصبحت الأضرحة والقبور تهيمن على حياة الناس وهكذا طغت هذه الأضرحة على حياة الناس، وأصبحت مهيمنة على شئونهم، وشغلت تفكيرهم، وتبوأت في نفوسهم وقلوبهم أعلى مكانة، وكانت رحى تلك الهيمنة تدور على الغلو والشرك بالأموات، والتعلق بهم من دون الله عزوجل فلا يبرمون من أمورهم صغيرة ولا كبيرة إلا بعد الرجوع إلى تلك الأضرحة، ودعاء أصحابها واستشارتهم، وهم لايملكون لأنفسهم ضرًا ولانفعًا، فكيف لغيرهم، وقد كان العلماء وللأسف الشديد يتقدمون العامة ويسنون لهم السنن السيئة في تعظيم الأضرحة والمقامات والولوع بها ويزرعون الهيبة في نفوسهم بما كانوا يقومون به.

وقد تمادى الناس في الشرك والضلال وأمعنوا في الوثنية ومحاربة التوحيد فلم يكتفوا بالمقبورين والأحياء، بل أشركوا بالأشجار والأحجار، ووصل الأمر إلى اعتقاد العامة في بغداد في مدفع قديم في ساحة الميدان من بقايا أسلحة السلطان مراد العثماني التي استخدمها في حربه مع الفرس، لإخراجهم من بغداد حيث كانوا يقدمون إليه النذور، ويطلبون منه إطلاق ألسنة أطفالهم وهو يعرف عندم"طوب أبي خزامة"، مما حدا بالعلامة محمود شكري الآلوسي إلى التصدي لهذه الخرافة الشنيعة بكتابة رسالة يزجر بها هؤلاء الجاهلين أسماها بـ (القول الأنفع في الردع عن زيارة المدفع) [1] .

واعتاد الناس في أواخر الدولة العثمانية أن يحلفوا بغير الله عزوجل من المخلوقين، وكان يسهل عليهم الحلف بالله كاذبًا، عامدًا متعمدًا، ولكنه لايجرؤ أبدًا أن يحلف بما عظمه من المخلوقين إلا صادقًا.

-انتشار البدع والخرافات:

كان السلاطين الأوائل في الدولة العثمانية ينفرون من البدع وأهلها ويحاربونها فهذا السلطان محمد الفاتح في وصيته يقول لمن بعده:"جانب البدع وأهلها وباعد الذين يحرضونك عليها"أما في العصور المتأخرة من الدولة العثمانية فإن البدع انتشرت انتشارًا

(1) انظر: الانحرافات العقدية والعلمية (1/ 367) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت