أن يروا في تلك العقيدة جدارًا صلبًا وحاجزًا قويًا يقف أمام مخططاتهم ومحاولاتهم في القضاء على المسلمين ودينهم. ولذا أخذوا يعملون على تحطيم ذلك الجدار وتذويب ذلك الحاجز عن طريق صنائعهم وعملائهم في البلاد الاسلامية وفي الدولة العثمانية ممن بأيديهم مقاليد الأمور من السلاطين والباشوات. كما حدث مع السطان العثماني محمود الثاني المتوفى عام 1839م الذي تزعم حركة الاصلاح المقلدة للمنهج الأوروبي، حيث عمل علىمسخ عقيدة الولاء والبراء وحاول طمسها في النفوس، ويتجلى هذا الاتجاه الخطير في قول السلطان نفسه ( ... إنني لا أريد -ابتداء من الآن - أن يمييز المسلمون إلا في المسجد، والمسيحيون إلا في الكنيسة واليهود في المعبد، إني أريد مادام يتوجه الجميع نحوي بالتحية أن يتمتع الجميع بالمساواة في الحقوق وبحماية الأبوية ومن هنا نعمت المسيحية وغيرها في الدولة في ذلك العصر بحرية واسعة النطاق [1] .
وفي هذا العصر انتشرت المدارس اليوناينة والأرمنية والكاثوليكية انتشارًا واسعًا بفضل رعاية السلطان وتشجيعه [2] .
وقد ثار رجال إحدى الحاميات العثمانية ضد احتمال إلزامهم أن يضعوا على صدورهم الحزامين المتقاطعين على شكل صليب على النسق النمساوي، وطرد الثوار الباشا المرسل من قبل السلطان [3] .
وقد سمح السلطان لرعاياه المسيحيين بارتداء الطربوش بدلًا من القلنسوة القديمة، وبذلك خلصهم من الرمز المميز لهم، وكان لذلك رنة فرح شديدة عندهم، وقد حاول فرض الطربوش الأحمر على العلماء بدلًا من العمامة، فلما أبوا عليه ذلك تراجع مغطيًا موقفه بإعلان الجهاد ضد الروس [4] .
والأدهى من ذلك ما (حدث من استعانة الدولة العثمانية بضباط دانوا بالولاء لروسيا من قبل، وظلت الدولة غافلة عن هذه الحقيقة، وبالتالي كان لروسيا عيون في جيش السلطان الجديد تزودها بأدق المعلومات والخطط) [5] . وكم من هزيمة ساحقة تلقتها الدولة العثمانية من روسيا، وكان من أسبابها تسرب المعلومات الهامة عن طريق هؤلاء.
هذا مثال بارز على ضعف عقيدة الولاء والبراء لدى بعض سلاطين العثمانيين وعدم الاهتمام بها.
(1) انظر: حركة الإصلاح في عصر السلطان محمود الثاني، د. البحراوي، ص214.
(2) المصدر السابق نفسه، ص214.
(3) انظر: حركة الإصلاح في عصر السلطان محمود الثاني، د. البحراوي، ص258.
(4) المصدر السابق نفسه، ص261.
(5) المصدر السابق نفسه، ص247.