من أعظم سلاطين بني عثمان وهو الملك الضليل الفاضل النبيل العظيم الجليل أعظم الملوك جهادًا وأقواهم اقدامًا واجتهادًا وأثبتهم جأشًا وقوادًا وأكثرهم توكلًا على الله واعتمادًا وهو الذي أسس ملك بني عثمان وقنن لهم قوانين صارت كالأطواق في أجياد الزمان وله مناقب جميلة ومزايا فاضلة جليلة وآثار باقية في صفحات الليالي والأيام ومآثر لايمحوها تعاقب السنين والأعوام وغزوات كسر بها أصلاب الصلبان والأصنام من أعظمها أنه فتح القسطنطينية الكبرى وساق إليها السفن تجري رخاءً برًا وبحرًا هجم عليها بجنوده وأبطاله وأقدم عليها بخيوله ورجاله وحاصرها خمسين يومًا أشد الحصار وضيق على من فيها من الكفار الفجار وسل على أهلها سيف الله المسلول وتدرع بدرع الله الحصين المسبول ودق باب النصر والتأييد ولج ومن قرع بابًا ولج ولج وثبت على متن الصبر إلى أن أتاه الله تعالى بالفرج ونزلت عليه ملائكة الله القريب الرقيب بالنصر العزيز من الله تعالى والفتح القريب ففتح استنبول في اليوم الحادي والخمسين من أيام محاصرته وهو يوم الأربعاء العشرين من جمادي الآخرة سنة سبع وخمسين وثمانمائة وصلى في أكبر كنائس النصارى صلاة الجمعة وهي أيا صوفيا وهي قبة تسامى قبة السماء وتحاكي في الاستحكام قبب الاهرام ولا وهت ولا وهت كبرًا ولاهرمًا وقد أسس في استنبول للعلم أساسًا راسخًا لايخشى على شمسه الأفول وبنى مدارس كالجفان لها ثمانية أبواب سهلة الدخول وقنن بها قوانين تطابق المعقول والمنقول فجزاه الله خيرًا عن الطلاب ومنحه بها أجرًا وأكبر ثواب فإنه جعل لهم أيام الطلب مايسد فاقتهم ويكون به من خمار الفقر افاقتهم وجعل بعد ذلك مراتب يترقون اليها ويصعدون بالتمكن والاعتبار عليها إلى أن يصلوا إلى سعادة الدنيا ويتوسلون بها أيضًا إلى سعادة العقبى وأنه رحمه الله تعالى استجلب
العلماء الكبار من أقصى الديار وأنعم اليهم وعطف باحسانه اليهم كمولانا علي القوشجي والفاضل الطوسي والعالم الكوراني وغيرهم من علماء الإسلام وفضلاء الأنام فصارت استنبول بهم أم الدنيا ومعدن الفخار والعليا واجتمع فيها أهل الكمال من كل فن، فعلماؤها إلى الآن أعظم علماء الإسلام وأهل حرفها أدق الفطناء في الأنام وأرباب دولتها هم أهل السعادة العظام فللمرحوم المقدس قلادة منن لاتحصى في أعناق المسلمين لاسيما العلماء الأكرمين [1] .
فرحمة الله ومغفرته ورضوانه على السلطان محمد الفاتح وأعلى ذكره في المصلحين.
(1) شذرات الذهب (7/ 345) .