وكمثال على ذلك أيضًا أمر الله تعالى بصرف الزكاة إلى مستحقيها بقوله:
{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (التوبة: 60) . فالله بعلمه وحكمته وزع الزكاة على هذه الأصناف الثمانية، فإذا كان عام ولم نجد فقيرًا يستحق الزكاة فمنعنا سهم الفقراء لعدم وجودهم، فهذا لا يُعد تغييرًا، وإنما فقدنا المستحق، وكذلك إذا كان فلان من الناس يعطى من الزكاة لأنه فقير، ثم وسع الله عليه وصار غنيًا ومنعنا عنه الزكاة فلا يقال إن الحكم تغير، بل صفة هذا الشخص التي يستحق عليها الزكاة هي التي تغيرت، وهكذا فعل عمر - رضي الله عنه - في سهم المؤلفة قلوبهم، فالمؤلفة قلوبهم هم من يعطون من الصدقات لأجل تألف قلوبهم على الإسلام، أو لأجل ضعف المسلمين حتى يأمن المسلمون شرهم، فهو حكم معلق على وصف وليس على أشخاص بأعيانهم، فإذا تحقق هذا الوصف في شخص أو عدة أشخاص فأعطيناهم سهم المؤلفة قلوبهم، ثم جاء العام الذي يليه وقد فقدوا وصف المؤلفة (كأن حسن إسلامهم، أو قوي المسلمون فلم يعد بهم ضعف) فمنعنا عنهم سهم المؤلفة قلوبهم؛ فليس في هذا تغير للحكم، وإنما الذي حدث أن هؤلاء الأشخاص استحقوا السهم في المرة الأولى لانطباق الوصف عليهم وليس لأشخاصهم، ثم فقدوا الوصف في العام الذي يليه، ففقدوا ما كان مترتبًا على الوصف، وهذا إعمال للحكم الشرعي وليس تغييرًا له.
5 -تدافع المأمورات أو المنهيات:
قد يكون هناك أمران مطلوب تحصيلهما ولكن لا يمكن تحصيل أحدهما إلا بتفويت الآخر، فهما على ذلك متدافعان، كما أنه قد يكون هناك أمران مطلوب اجتنابهما ولا يمكن اجتناب أحدهما إلا بفعل الآخر، فهنا تُحَصَّل أعظم المصلحتين، وتُدفع أقبح المفسدتين، فمثلًا: الشهادة يُطلب فيها العدول، فإذا لم نجد العدول صرنا بين أمرين: إما ضياع الحقوق، وإما قبول شهادة غير العدول، أمران أحلاهما مر، وقد أفتى أهل العلم في مثل ذلك أن لكل قوم عدولهم، وعلى القاضي أن يتوسم فيهم ويقبل أكثرهم صلاحًا وأقلهم فجورًا، فقد ينظر هنا إلى أن هذا من قبيل تغيير الحكم، وذلك بقبول شهادة من لا يعرف بعدالة، والحقيقة أن هذا من باب التعارض وأنه لا يمكن تحصيل أحدهما إلا بتفويت الآخر، وهي فتوى وليست حكمًا، وهي فتوى خاصة بمثل هذه الحالة؛ بمعنى أنه إذا وجد العدول في هذا المكان لم تُقبل شهادة غيرهم.
قال الإمام علاء الدين الطرابلسي الحنفي: «قال القرافي في باب السياسة:
نص بعض العلماء على أنه إذا لم نجد في جهة إلا غير العدول؛ أقمنا أصلحهم وأقلهم فجورًا للشهادة عليهم، ويلزم ذلك في القضاة وغيرهم لئلا تضيع المصالح، قال: وما أظن أحدًا يخالف في هذا، فإن التكليف شرط في الإمكان، وهذا كله للضرورة لئلا تهدر الأموال وتضيع الحقوق، قال بعضهم: وإذا كان الناس فساقًا إلا القليل النادر قبلت شهادة بعضهم على بعض، ويحكم بشهادة الأمثل فالأمثل من الفساق، هذا هو الصواب الذي عليه العمل، وإن أنكره كثير من الفقهاء بألسنتهم» [26] .
6 -وجود العارض وزواله:
قد يكون هناك شيء محبوب شرعًا لكن يخشى من فعله أن يترتب عليه تكليف قد لا يقوم به الناس، فيترك هذا الشيء لذلك العارض، فإذا زال العارض رجع الأمر إلى حاله الأولى، وقد يظن أن هذا تغيرًا للحكم وإنما هو من باب زوال العارض، مثال ذلك امتناع الرسول صلى الله عليه وسلم عن قيام الليل في رمضان في المسجد بعدما فعل ذلك عدة ليال، وذلك خوفًا من أن يفرض قيام الليل على المسلمين رحمة منه صلى الله عليه وسلم بالمسلمين، فلما زال هذا الأمر بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وأُمن عدم فرض قيام الليل؛ جاز الاجتماع في المسجد في رمضان لقيام الليل، وليس في هذا تغيير للحكم الشرعي.
7 -تغير الآلات والوسائل:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)