أما الأمر الثاني فهو اذا مست بلد الانسان بسوء صغيرًا كان هذا السوء أو كبيرًا اذا سبت مثلًا بلاده تحركت فيه مشاعر الحب فدفعت عنه كذلك اذا وقع عليها حرب او عبثت بها يد مفسد فهنا كل المشاعر الكامنة فيك تنفجر فلا ترى النفس إلا في أرخص عهودها تجود بها وتحملها على يدك لعل وطنك المسلم لا يصاب بأذى ولا يسلبه مغتصب وهذا أمر مودع بالفطر ومقرر في الشريعة الاسلامية ولهذا جاء في الصحيحين واللفظ لمسلم عن ثابت مولى عمر ابن عبدالرحمن قال: لما كان بين عبدالله بن عمرو بن العاص وبين عنبسة بن ابي سفيان ما كان تيسرو للقتال فركب خالد ابن العاص إلى عبدالله ابن عمر ليعظه فوعظه خالد وعظ عبدالله ابن عمر وقال له كيف تقاتل على هذه الأرض أو على نحوها فقال عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما اما علمت ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قتل دون ماله فهو شهيد والمال هنا هو الأرض ويراد ايضًا به كل ما هو مال وأرض المسلمين هي مال للمسلمين ملك لجميع المسلمين يقوم ولي الأمر. وولي الأمر قائم عليها بالمصلحة لهم وفي هذا يقول الله عز وجل {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين} فيجب الدفاع عن البلاد والا
عراض والاموال واستنفاذ ما يستولي عليه الاعداء. اذن فحب المسلم لوطنه منبعث من إيمانه بأن اكثر الشعائر الدينية لا تتم إلا بجماعة والجماعة لا تتم إلا بإمارة والإمارة لا تقوم إلا على وطن. ومن هذا المنطلق صحح بعض العلماء كالعلامة السخاوي في المقاصد الحسنة وغيره الكلمة المشهورة حب الوطن من الإيمان فهي وان لم تكن قد جاءت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكن معناها صحيح بهذا الاعتبار وبهذا المعنى فالمعنى في هذه الجملة إذا تناول الوطن الذي يعمره المسلمون يستقرون فيه يقيمون فيه شعائر الله يتواصلون بينهم يدعون إلى ربهم فلا ريب ان حب الوطن خير وفضل.