أقول: لو أدرك هذا الكاتب هذه المدارك لما وقع في هذه الجناية، ولكنه ضعف علمه، وقصر نظره (ولا يجني جان إلا على نفسه) ودفاعًا عن مبادئنا التعليمية العريقة، ألقي الضوء على بعض انتقاداته لمتن «الزاد» وقبل هذا أقول: ـ إن جل ما زعمه أخطاء في الكتاب، إنما هو من «المسائل الاجتهادية» التي تتجاذبها أدلة التشريع. وقد تتكافأ هذه الأدلة من حيثيات متعددة، عندئذ لا يعاب على عالم أخذه بقول تبين له رجحانه، كما لا يعاب على عالم خالفه فأخذ بالقول الثاني لتبين رجحانه في نظره. وقد لا تتكافأ هذه الأدلة، فالسبيل إذًا اعتماد القول البين رجحانه، وطرح ما خالفه. ولا يعاب على عالم أخذ بالقول المرجوح عندنا، بعد أن تبين له صحته، وإلا لزم إلصاق العيب بأبي حنيفة، والشافعي، ومالك، وأحمد بن حنبل، وغيرهم من الأئمة. ولعل كتاب «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» يجلي هذا البحث أكثر.
أما عن تفصيل الانتقاد فإن المالكي تعقب «الزاد» في أربع وعشرين مسألة، وعنده مزيد، وإليك عرض بعض هذه الانتقادات: ـ
الانتقاد الأول: ـ مسألة مسح الوجه بعد الدعاء، اختلف فيها العلماء فمن قال بجوازها وحسن الحديث الوارد فيها قال بالمشروعية. وقد قال الحافظ ابن حجر في «البلوغ» على حديث عمر هذا ـ وله شواهد، ومجموعها يقضي بأنه حديث حسن. قال الصنعاني في «سبل السلام» 4/ 430: وفيه دليل على مشروعية المسح اهـ. ومن ضعف الحديث من العلماء لم يقل بجوازها. فيا مالكي هل هذا الخطأ يوجب انتقادًا؟