المؤمنين والمؤمنات، والتعرض لهم بالبهتان والزور، ونسبتهم إلى الغي والفجور، فابتدأ بحد القذف، فبيَّن الله تبارك وتعالى عقوبته، وحذر العباد من إصابته، ثم بيَّن سبحانه وتعالى بعد ذلك حكم قذف الزوج لزوجته وهي الحالة التي قد يبتلى بها العبد، فيرى من زوجه ما يسوءه لا ما يسره، فيقف ذلك الموقف العصيب بين خيارات مؤلمة، وقفها بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل الله عز وجل لهم من ذلك الغم فرجًا، كما في الصحيح من حديث عويمر العجلاني رضي الله عنه أنه قال: (يا رسول الله! إن قتل قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت على غيظ) فجاءت هذه الآيات مبينةً لهذا الحد، ومبينةً للّعان الذي به يندفع الشر عن الزوج، ويُصان فراشه، ونسبه وعرضه.
أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ. بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحْمَنِ الْرَّحَيْمِ. سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
لأن الإنسان يمر بثلاث مراحل مع كتاب الله عز وجل: المرحلة الأولى: سماعه والإصغاء إليه. والمرحلة الثانية: تدبره وتفهم معانيه. والمرحلة الثالثة: العمل بمقتضى ذلك التدبر. كما أشار الله تبارك وتعالى إلى ذلك بقوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق:37] .
قوله: آيَاتٍ [النور:1] : جمع آية، والآية في لغة العرب: العلامة. وقوله: بَيِّنَاتٍ [النور:1] : أي: بينة واضحة، والبينة في لغة العرب: هي الحجة والدليل الواضح، ومنه قول زهير في قصيدته: أضاءت فلم تغفر لها خلواتها فلاقت بيانًا عند آخر معهد دمًا عند شلوٍ تحجل الطير حوله وبضع لحام في إهاب مقدد فقوله (بيانًا) : أي: وجدت علامة واضحة على فقد صغيرها؛ لأنه يتحدث عن دابة فَقَدَت صغيرها الذي افترسه السبع، فالمراد أن البينة هي العلامة والحجة الواضحة. وقوله تعالى: (بَيِّنَاتٍ) أي: لا لبس فيها ولا غموض. قوله: لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النور:1] : لعل حرف ترج، أي على رجاء أن تتذكروا، الذِّكْر ضد الغفلة والنسيان، وذَكَرَ الشيءَ إذا استقر في ذهنه وفي ذاكرته، والمراد بالذكرى تأثرُ الإنسان بما يتلى عليه من كتاب الله عز وجل، والذكرى هي المرحلة الثانية الداعية إلى العمل.
وفي قوله تعالى: أَنْزَلْنَاهَا [النور:1] : نزل الشيء إذا انحط من مكان عالٍ إلى ما هو أسفل منه. وفي قوله: (أَنْزَلْنَاهَا) إشارة إلى مَن أنزل وإلى الشيء المنَزَّل، فالمُنْزِل هو الله، وعبَّر بضمير الجمع إشارة إلى التعظيم والتفخيم، والعرب تستخدم أسلوب الجمع أو ضمير الجمع للمفرد على سبيل التعظيم والتفخيم، فيقول الرجل المفرد: نحن فلان، أو نحن فعلنا، أو نحن قلنا، كل ذلك على سبيل التعظيم، والله خليقٌ بذلك، فهو المنزِّل سبحانه وتعالى. والضمير الأخير في قوله: (أَنْزَلْنَاهَا) عائد إلى السورة، وفي هذا دليل على علو الله تبارك وتعالى وفوقيته على خلقه خلافًا لمن زعم رد الفوقية، ومذهبُ السلف الصالح رحمة الله عليهم: إثبات الفوقية لله لدلالة الكتاب والسنة على ذلك، قال الله تبارك وتعالى: يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل:50] ، وهنا أشار إلى ذلك ضمنًا في قوله: (أَنْزَلْنَاهَا) ، كما أشار إلى هذه الصفة ضمنًا في قوله: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:10] ، والأحاديث في الدلالة على هذه الصفة مستفيضة واضحة
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)