وينبغي أن نفرق بين هذه الحادثة ومجيئهم مرة أخرى سنة 942هـ، فقد قاموا بحملة أخرى إخضاع البلاد، وجاؤوا بسفن كثيرة، وكان السلطان بدر بن عبد الله الكثيري أبو طويرق لهم بالمرصاد هذه المرة, وكان قد أعد هو وجنوده للحرب عدة، ولم يضع هؤلاء الجنود أقدامهم بالساحل حتى أثخن فيهم الجراح بما لم يكونوا يتوقعونه، ففريقا قتل، وفريقا أسر، وطلعت شمس يوم الأحد لخمس من رمضان وقتلى الإفرنج في شوارع الشحر، وأخذ سفنهم، وطلب بقيتهم الأمان، وكان عدد الأسرى في هذه الحادثة سبعين، وأهدى السلطان بدر خمسة وثلاثين من هؤلاء الأسرى إلى السلطان العثماني سليمان خان بن سليم خان. في اسطنبول - القسطنطينية، وطاف ببعضهم في قرى حضرموت، وفي هذه المرة يقول عمر بامخرمة مهنئا السلطان بدر:
يقول أبو علي بدا بدر السعادة واستنار
أضا على الأرض حتى اطفا بنوره كل نار
وامست وجوه الكفر واهل الكفر يعلوها قتار
فالحمد لله طاب لاهل الشحر فيها ما الابار
واسفر محيا الدين واثرينا وخذنا كل ثار
من عابدي الاوثان في تثليثهم لا راد ثار
الله نصر الاسلام بك يا بدر عالي المنار
يا تاج رأس الملك يا من صيته استعلى وطار [5] ( http://www.soufia-h.net/newthread.php?do=newthread&f=5#_ftn5)
هذه هي فتنة الإفرنج الذين اجتاحوا البلاد، وسفكوا الدماء، وقتلوا العلماء، والتي لم يعش الشيخ حسين فصولها فحسب، بل ذهب ضحيتها أخوه الفقيه أحمد وجماعة من أقربائه وأحبائه، فكيف جاز لهذا الشيخ أن يجعل فتنة الصوفية أعظم من فتنة الإفرنج؟
ولا شك أنه قد رأى من آثار شطحاتهم على الأمة والعوام ما يجعله يصرح بذلك.
ثالثا: مع حسين بافضل:
هو حسين بن عبد الله بن عبد الرحمن بالحاج بافضل توفي سنة 979 هـ، تلقى العلوم على يد أبيه صاحب المختصرات في الفقه فأما المختصر الكبير فقد عني بشرحه ابن حجر الهيتمي وأما المختصر اللطيف فشرحه الرملي، فمن تربية هذا الفقيه خرج حسين ولد بمدينة (تريم) ، وحفظ (القرآن العظيم) ، وبعض (المنهاج) ، و (الإرشاد) وغير ذلك، ومشى أيضا على الأخذ بالتصوف على عادة الانسجام بين الفريقين في تلك الفترة من هذا القطر فكان يأخذه عن أحمد بن علوي باجحدب، و أحمد بن حسين العيدروس، وشهاب الدين. .
وفي تلك الفترة جاء إنكاره على بامخرمة ويكون محل العبارة التي نحن بصدد الحديث عنها، وأنكر على غلاة الصوفية، وكان أول اجتماع بعمر بامخرمة حين قدم بامخرمة إلى تريم في مظهر كبير، وجمع عظيم من أتباعه ومريديه، فدخل والسماع يضرب بين يديه، فبلغ ذلك الشيخ حسين، وهو يغلب عليه الفقه والتحقيق فقام من مدرسته المسماة بمسجد شكرة هو وجماعة من التلاميذ يريدون اإنكار على بامخرمة في ضرب السماع، فلما التقيا غاب حسين وأخذته حالة طرب واستغراق وصار يصفق بيديه فخاطبه بامخرمة:
حسين هبت نسيم القرب بعد المدا سرت من النجد نا للنجد واهله فدا
حبائب القلب ذي عشقة سواهم سدى ذي هواهم حمولي منه غير القدا
بكيت وابكيت مما بي وسري بدا بحت حتى دروا بي يا حسين العدا
تغير مجرى حياته الفكرية
ومنذ هذا اللقاء تغير مجرى حياته الفكرية ليستقي من ماء الصوفية الذين أرارد الإنكار عليهم، بل وأصابه الداء نفسه، وما زال يوغل في طريقهم الوعر حتى اشتغل بعلم الحقائق ومال عن الرقائق، وصار يعظم ابن عربي، ويقري كتبه، وكان له في اقتنائها أشد عناية حتى أن كتاب الفتوحات المكية كان لا يوجد بحضرموت إلا عنده، ويرى أن ابن عربي على طريق الصوفية غير أنه بسط العبارة في موضع الإشارة، وقال أن هذه الأبيات تصلح في ابن عربي:
دعوه لا تلوموه دعوه فقد علم الذي لم تعلموه
رأى علم الهدى فسمى إليه وطالب مطلبًا لم تطلبوه
اجاب دعاه لما دعاه وقام بحقه ووضعتموه
بنفسي من ممنوح قرب وطاعم مطمعًا لم تطعموه
وكان مولعًا بكتب الشاذلية، وكان يميل إلى طريقتهم حتى قيل فيه أنه شاذني زمانه، وله رسالة أسماها (الفصول الفتحية والنفثات الروحية فيما يوجب الجمعية، وعدم البراح من جانب الحق والفناء وبالبقاية بالكلية والجزئية) [6] ( http://www.soufia-h.net/newthread.php?do=newthread&f=5#_ftn6)
رابعا: شطح الصوفية:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)