وأما المرحلة الثالثة فهي مجاراة الغلاة من أهل الشطح، وقد كان على طريق الفقهاء، ومحبة الصوفية ولما بلغه أن عبد الرحمن باهرمز عند ورود الحال عليه يجتمع بالنساء الحسان فيغنين له، فقصده للإنكار عليه، فسار إليه ثم بدا له أن يرجع من الطريق، ثم سار ثانيًا ودخل عليه فلما وقع بصره على الشيخ كاشفه وقال له: عاد وقتك ما جاء، ثم سار إليه ثالثًا فلما دخل عليه أمر باهرمز بعض النساء الحسان ممن كانت ترقص عنده ان تعتنقه فما هو إلا أن فعل به ذلك خر مغشيًا عليه فلما أفاق تلمذ للشيخ، وأراد أن يتحكم له فقال له: صل ركعتين إلى الشرق فامتثل فلما أحرم رأى الكعبة تجاه وجهه. [3] ( http://www.soufia-h.net/newthread.php?do=newthread&f=5#_ftn3)
قال: وقفت بين يدي شيخي وسيدي عبد الرحمن باهرمز عشية الاثنين ثاني رجب سنة 913 هـ وتحكمت له وألبسني، ومسح على رأسي وصدري، وقال لي: حكّمتك وأنا شيخك، فعليك بكتاب الله وسنة رسول الله، وأنا شيخك فيهما وفي علوم لم يطّلع عليها ملك مُقرب ولا نبي مرسل، فأنت نائب عني، بل أنت أنا!!! [4] ( http://www.soufia-h.net/newthread.php?do=newthread&f=5#_ftn4)
وبتركه الرسالة القشيرية، والدخول في حكم باهرمز، وجماعة الملامتية، والاشتغال عنها بديوان ابن الفارض، غلب عليه الشهود، والفناء الكلي عن الوجود، فأكثر من السماع، وحذا بشيخه حذو القذة بالقذة، وأصيب ببلاء دخول النساء في السماع، ووقع منه الشطح حتى أنكر عليه الفقهاء، بل وأخرج من دائرة الفقهاء فلم يذكره ولده الفقيه عبد الله في (ذيل طبقات الفقهاء على الأسنوي) وهكذا نعرف النكتة في خلو الكتاب من ذكره مع رتبته في الفقه التي ذكرناها.
ثانيا: فتنة الإفرنج:
أما فتنة الإفرنج فالمقصود بها مجئ البرتغاليين الذين جاءوا لإخضاع الممالك الإسلامية لسيطرتهم، وقد كانت لهم القوة في الغرب بأوربا سولت لهم أن يأخذوا ما بأيدي الدولة العثمانية , وظهرت فتنتهم في الديار الهندية سنة 901 هـ، ثم كثرت مراكب الإفرنج في بحر الهند وهرموز وتلك الجهات، وعظم أذاهم للمسلمين، وأخذوا سبعة مراكب، وصارت سفنهم تشق عباب البحار، وكان قد خرج الملك عمانويل في العاصمة لشبونه على قومه في غرور، على عرش من ذهب مرصع بالجواهر، وأبدى لقادة جيشه واساطيله رغبته في غزو العالم، والاستيلاء على سواحل البحر العربي خاصة عدن، وطلب دراسة لهذا الاستيلاء، وسبق أعدائه من الأوربيين الذين ينافسونه في بحر الهند والخليج والبحر الأحمر، وأن يرفعوا لواء المسيحية في تلك البقاع الإسلامية.
وفي ربيع الآخر من سنة 929هـ هاجموا مدينة الشحر بأربع عشرة سفينة, ودخلوا المدينة، ونهبوا بعض بيوتها، وعاثوا بها فسادا، وصالوا بها فتصدى لهم أهلها بقيادة ولاتها وعلمائها.
وقتل من أعيان الشحر جماعة منهم الأمير مطران بن منصور, والفقيه العلامة شهاب الدين أحمد بن عبد الله بلحاج أخو الشيخ حسين، وكانت مقاومته لهم شديدة، وكتب إلى أهل حضرموت يستنجد بهم، يستنفرهم للجهاد , ولد بتريم ونشأ بها، وحفظ القرآن العظيم، واشتغل بتحصيل العلوم الشرعية على والده، ورحل مع والده إلى بندر الشحر، ولازم والده في دروسه حتى برع وفاق أقرانه وكان والده يعظمه ويثني عليه، وكذلك الشيخ القاضي عبد الله بن عبسين كان يبالغ في الثناء عليه ويشير إليه في الفقه، وقد قام خطيبًا في الناس حين قرب العدو من مدرسته، ووعظهم وحثهم على القتال، فخرج وخرج الناس معه لقتال الإفرنج، وحصل النصر للمسلمين حيث استشهد يوم الجمعة، لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع ثاني.
وقتل معه أيضًا أحمد وفضل ابنا رضوان بافضل, والفقيه يعقوب بن صالح الحريضي وخلق كثير , ودفن سبعة من الشهداء في موضع واحد.
وقد أبلي المقاومون بلاء حسنا، واستمر القتال في الشحر من يوم الجمعة إلى يوم الأحد انتهى بخسارة الإفرنج، فركبوا سفنهم ليلة الاثنين, ورجعوا نحو الهند يجرون أذيال الهزيمة بعد ما تركوا قتلاهم بالشحر.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)