وجاء في المادة الحادية عشر- إن أساتذة هذه المدرسة العربية يقع تعيينهم بإجراء مسابقة (مناظرة) بينهم ولا يشارك فيها إلا الدكاترة (الذين يحملون شهادة الدكتورة من إحدى الجامعات المعترف بها) .
وأنت ترى هذا المشروع القانوني هو ما يمكن أن تبذله حكومة عربية -لو هي أرادت ذلك- لإحياء مجد العرب، وحكومة إسلامية لكي تبعث به تاريخ الإسلام من جديد ناصعًا مجيدا.
وأنت ترى أن معالي وزير المعارف الإسباني قد مهد لمشروعه هذا بكلمة كلها افتخار بالعرب، واعتزاز بثقافة الإسلام، فهو يرى من دواعي الفخر أن يقول: (تاريخنا الإسلامي) على حين نرى أن كثيرًا من وزراء الحكومات الإسلامية يخجلون من ذكر (تاريخهم الإسلامي) فضلا عن أن يذكروه على وجه الافتخار. بل سمعنا مرارًا بعض رجال تركيا الرسميين يزعمون أن تاريخ تركيا لم يكن في يوم من أيامه تاريخًا إسلاميًا (كذا) ، وهم يفاخرون بذلك، ثم هم يتبرءون من ثقافة العرب التي لا يتبرءون منها إلا كما يتبرءون من لحومهم ودمائهم.
وهذا العمل الصالح الذي تعمله الحكومة الاسبانية هو أثر من آثار حنين اسبانيا الحديثة إلى العرب. فالطبقة المفكرة المستنيرة من الاسبان أصبحت تعتقد أن أسعد أيام اسبانيا في التاريخ إنما هي أيام العرب، وإن العصر الذهبي للاسبان إنما هو العصر الإسلامي، وإنه لا سبيل إلى النهوض باسبانيا الحديثة ولا إلى إقالتها من عثرتها وكبوتها إلا بالعمل على إحياء ما مضى فيها من عهد العروبة والإسلام. ولا ترى في اسبانيا اليوم عالمًا ولا أديبًا: شاعرًا أو كاتبًا إلا وقد ندب العرب وبكاهم بكاء مرًا، وأجود ما تقرؤه من شعر الاسبان ونثرهم اليوم هو ما ندبوا به الأندلس العربية وبكوها فيه. فالروائي الإسباني المشهور ابلاسكو ابانيز لا يكاد يجيد في رواية له إلا إذا جعلها مرثية يرثي بها العرب، وأمير الشعراء الاسبان فييا سباسا لم ينل هذه المرتبة العالية من الشهرة بالشعر إلا بمراثيه في العرب.
وفي اسبانيا اليوم كاتب من أكبر كتابها سمى نفسه (ابن أمية) - وهو اسباني مسيحي- يعتقد أن اسبانيا كلها أمة شرقية لا علاقة لها بالأمم الأوربية، ولا تمت إلى (اللاتين) بصلة نسب، ويدعو الاسبان أن يعتبروا أنفسهم شرقيين لا غربيين، ويقول: (يقولون لنا إنكم أمة لاتينية، والحق إننا أمة شرقية بحتة ... ) ثم يذكر الشواهد القاطعة على أن اسبانيا هي أمة شرقية لا غربية، ويزيف مزاعم من يقولون إنها غربية لاتينية: وله الحق في هذا القول، فإننا نرى هنا في وهران وفي غيرها عددًا لا يحصى من المسلمين عربا وبربرًا والبربر هم أيضًا عرب وأبناء عرب نساء ورجالًا يجيدون اللغة الاسبانية ويعرفونها معرفة تامة من غير أن يتعلموها، بلكما يعرف العرب اللغة البربرية وكما يعرف هؤلاء اللغة العربية. وهي (الاسبانية) في ألسنتهم وأفواههم أسهل عليهم من اللغة الفرنسية التي لا يجيدونها في الكثير الغالب إلا بعد القراءة والتعلم. وذلك لأن اللغة الاسبانية- وإن كانت في أصلها لاتينية- فهي شرقية في نفسيتها ومزاجها لا يصعب على هؤلاء العرب الشرقيين أن يتكلموها كلغة قومية. واليهود هنا في عمالة وهران يتكلمون أيضًا الاسبانية كلغة منزلية. أما الفرنسيس مثلا فانه يصعب عليهم أن يتكلموا الاسبانية من غير أن يتعلموها ويمارسوها طويلا. ذلك لأن مزاجهم غربي ومزاجها هي شرقي ...
ومن كتاب الاسبان وأدبائهم من يذهب إلى وجوب تعريب الأندلس من جديد، ويقترح لذلك على الحكومة أن تجعل اللغة العربية إجبارية في مدارس الأندلس، وأن تسعى في جلب العائلات العربية فتنزلهم بالأندلس وتقطعهم المزارع والأراضي، فتستعرب بذلك الأندلس مرة أخرى.
وبلغني أن ناديًا تأسس في قرطبة لإحياء الثقافة العربية في الأندلس وفي اسبانيا كلها، وان عددًا وافرًا من الأدباء والمفكرين الاسبان قد انخرطوا في هذا النادي.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)