646 -ولهذا لو تكلم بكلام لا يفهم معناه وقال نويت موجبه عند الله لم يصح ذلك في أظهر القولين مثل .... أو يقول أنت طالق إن دخلت الدار وينوي موجبها في العربية وهو لا يعرف ذلك ... فما لم يعلمه لا يرضى به.
647 -وقد تبين بهذا أن الدعوة إلى الله تجب على كل مسلم، لكنها فرض على الكفاية، وإنما تجب على الرجل المعين من ذلكما يقدر عليه إذا لم يقم به غيره، وهذا شأن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر وتبليغ ما جاء به الرسول، والجهاد في سبيل الله، وتعليم الإيمان والقرآن.
648 -فالمأمور المنهي إن كان يعتقد أن أذى الآمر الناهي جائز له فهو من المتأولين وحق الآمر الناهي داخل في حق الله تعالى، فإذا تاب سقط الحقان، وإن لم يتب كان مطلوبًا بحق الله المتضمن حق الآدمي.
649 -قال تعالى:"والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون"قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون أن يستذلوا، فإذا قدروا عفوا قال تعالى"هم ينتصرون"يمدحهم، بأن فيهم همة الانتصار للحق والحمية له، ليسوا بمنزلة الذين يعفون عجزًا وذلًا، بل هذا مما يذم به الرجل، والممدوح العفو مع المقدرة والقيام لما يجب من نصر الحق، لا مع إهمال حق الله وحق العباد.
650 -فإذا كان الخبر عناستيئاسهم مطلقًا فمن المعلوم أن الله إذا وعد الرسل والمؤمنين بنصر مطلق - كما هو غالب إخباراته - لم يقيد زمانه ولا مكانه ولا سنته ولا صفته، فكثيرًا ما يعتقد الناس في الموعود به صفات أخرى لم ينزل عليها خطاب الحق، بل اعتقدوها بأسباب أخرى.
651 -وهذا الباب وهو (باب الوعد والوعيد) هو في الكتاب بأسماء مطلقة للمؤمنين، والصابرين، والمجاهدين، والمحسنين، فما أكثر من يظن من الناس أنه من أهل الوعد، ويكون اللفظ في ظنه أنه متصف بما يدخل في الوعد لا في اعتقاد صدق الوعد نفسه وهذا كقوله"إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد"وقوله"ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين"الآيتين، فقد يظن الإنسان في نفسه أو غيره كمال الإيمان المستحق للنصر، وإن جند الله الغالبون، ويكون الأمر بخلاف ذلك وقد يقع من النصر الموعود ما لا يظن أنه من الموعود به، فالظن المخطئ فهم ذلك كثير جدًا أكثر من باب الأمر والنهي مع كثرة ما وقع من الغلط في ذلك، وهذا عام لجميع الآدميين، لكن الأنبياء صلواتالله وسلامهلا يقرون، بل تبين لهم وغير الأنبياء قد لا يتبين له ذلك في الدنيا. ولهذا كثر في القرآن ما يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بتصديق الوعد والإيمان، وما يحتاج إليه ذلك من الصبر إلى أن يجيء الوقت، ومن الاستغفار لزوال الذنوب التي بها تحقيق اتصافه بصفة الوعد.