ومن علماء الأثر مع التدين، والتأله، والذكر، والصيانة، ثم أقبل على الفقه ودقائقه وقواعده، وحججه، والإجماع، والاختلاف، حتى كان يُقضى منه العجب إذا ذكر مسألة من مسائل الخلاف، ثم يستدل، ويرجح، ويجتهد، وحق له ذلك؛ فإن شروط الاجتهاد كانت قد اجتمعت فيه، فإنني ما رأيت أحدا أسرع انتزاعا للآيات الدالة على المسألة التي يوردها منه، ولاأشد استحضارا لمتون الأحاديث ... صحيح أو إلى المسند ... كأن الكتاب والسنن نصب عينه، وعلى طرف لسانه بعبارة رشيقة ... [آية] الله في التفسير والتوسع لعلل الديانة ومعرفتها ومعرفة أحوال الخوارج والروافض والمعتزلة ... فكان لايسبق فيه غباره، ولايلحق شأوه هذامع الكرم الذيلم يشاهد مثله، والشجاعة المفرطة التي يضرب بها المثل، والفراغ من ميلان النفس من اللباس الجميل، والمأكل الطيب، والراحة الدنيوية، ... تواليفه وفتاويه (كذا) في الأصول، والفروع، والزهد، واليقين، والتوكل، والإخلاص، وغير ذلك تبلغ ثلاث مئة مجلد، لابل أكثر، وكان قوالًا بالحق نهاء عن المنكر، لاتأخذه في الله لومة لائم، ذا سطوة وإقدام، وعدم مداراة للأغيار، ... مع أني لا أعتقد فيه العصمة، كلا، فإنه مع سعة علمه وفرط شجاعته وسيلان ذهنه وتعظيمه لحرمات الدين، بشر من البشر تعتريه حدة في البحث، وغضب ... يزرع له عداوة في النفوس ونفورا عنه، وإلا والله فلو لاطف الخصوم، ورفق بهم ولزم المجاملة، وحسن المكالمة، لكان كلمة إجماع فإن كبارهم وأئمتهم ... خاضعون بعلومه وفقهه، معترفون بشنوفه، وكأنهم مقرون بندور خطئه ... وأنا أقل من ينبه على قدره كلمي أو أن يوضح بناءه قلمي، وأصحابه وأعداؤه خاضعون بعلمه، مقرون بسرعة فهمه، وأنه بحر لاساحل له، وكنز لانظير له، وأنه جوده حاتمي، وشجاعته خالدية، ولكن قد ينقمون عليه أخلاقا وأفعالا منصفهم فيها مأجور، ومقتصدهم فيها معذور، وظالمهم فيها مأزور، وغالبهم مغرورإلى الله ترجع الأمور، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك، والكمال للرسل والحجة في الإجماع، فرحم الله أمرأً تكلم في العلماء بعلم، ... وكان الشيخ أبيض أسود الرأس واللحية قليل الشيب كأن عينه لسانان ناطقان ربعة من الرجال بعيد ما بين المنكبين جهوري الصوت فصيحا سريع القراءة تعتريه حدة ثم يقهرها بحلم وصفح وإليه كان المنتهى في فرط الشجاعة والسماحة وقوة الذكاء ولم أر مثله في ابتهاله واستعانته بالله وكثرة توجهه ... توفي إلى رحمة الله معتقلا بقلعة دمشق بقاعة بها بعد مرض جد أياما في ليلة الاثنين العشرين من ذي القعدة [سنة 728 ه عن 67 عاما] .
وصُلي عليه بجامع دمشق عقيب الظهر وامتلأ الجامع بالمصلين كهيئة يوم الجمعة حتى خرج الناس لتشييعه من أربعة أبواب البلد واقل ما قيل في عدد من شهده خمسون ألفا وقيل أكثر من ذلك» أ. ه.