سمعت أحدًا من الناس يقول فيه شيئًا، ولم يتركه شعبة ولا زائدة، فهذه رواية شعبة عنه تعديلًا له، كما عرف من عادة شعبة. وترك ابن مهدي له لا يعارض ذلك، فإن يحيى بن سعيد أعلم بالعلل والرجال من ابن مهدي، فإن أهل الحديث متفقون على أن شعبة ويحيى بن سعيد أعلم بالرجال من ابن مهدي وأمثاله.
وأما قول أبي حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به، فأبو حاتم يقول مثل هذا في كثير من رجال الصحيحين، وذلكأن شرطه في التعديل صعب، والحجة في اصطلاحه ليس هو الحجة في جمهور أهل العلم.
وهذا كقول من قال: لا أعلم أنهم رضوه. وهذا يقتضي أنه ليس عندهم من الطبقة العالية، ولهذا لم يخرج البخاري ومسلم له، ولأمثاله. لكن مجرد عدم تخريجهما للشخص لا يوجب رد حديثه، وإذا كان كذلك فيقال: إذا كان الجارح والمعدل من الأئمة لم يقبل الجرح إلا مفسرا، فيكون التعديل مقدما على الجرح المطلق.
الوجه الثاني: أن حديث مثل هؤلاء يدخل في الحسن الذي يحتج به جمهور العلماء، فإذا صححه من صححه كالترمذي وغيره، ولم يكن فيه من الجرح إلا ما ذكر، كان أقل أحواله أن يكون من الحسن،
الوجه الثالث: أن يقال قد روى من وجهتين مختلفتين: أحدهما عن ابن عباس، والآخر عن أبي هريرة، ورجال هذا ليس رجال هذا، فلم يأخذه أحدهما عن الآخر، وليس في الإسنادين من يتهم بالكذب، وإنما التضعيف من جهة سوء الحفظ، ومثل هذا حجة بلا ريب، وهذا من أجود الحسن الذي شرطه الترمذي، فإنه جعل الحسن ما تعددت طرقه، ولم يكن فيها متهم ولم يكن شاذًّا: أيمخالفًا لما ثبت بنقل الثقاة. وهذا الحديث تعددت طرقه، وليس فيه متهم، ولا خالفه أحد من الثقاة، وذلك أن الحديث إنما يخاف فيه من شيئين: إما تعمد الكذب، وإما خطأ الراوي، فإذا كان من وجهينلم يأخذه أحدهما عن الآخر، وليس مما جرت العادة بأن يتفق تساوي الكذب فيه: علم أنه ليس بكذب، لا سيما إذا كان الرواة ليسوا من أهل الكذب.
وأما الخطأ فإنه مع التعدد يضعف ... وهذا لو كانا عن صاحب واحد فكيف وهذا قد رواه عن صاحب، وذلك عن آخر، وفي لفظ أحدهما زيادة على لفظ الآخر، فهذا كله ونحوه مما يبين أن الحديث في الأصل معروف.
1775 - ومن أصول الشريعة أن الحكمة إذا كانت خفية، أو غير منتشرة علق الحكم بمظنتها، فيحرم هذا الباب سدًا للذريعة ... وليس في ذلك من المصلحة ما يعارض هذه المفسدة.