862 -وأما ما يسميه بعض الناسمفردة لكونه انفرد بها عن أبي حنيفة والشافعي مع أن قول مالك فيها موافق لقول أحمدأو قريب منه وهي التي صنف لها الهراسي ردا عليها وانتصر لها جماعة كابن عقيلوالقاضي أبي يعلى الصغير وأبي الفرج ابن الجوزي وأبي محمد بن المثنى: فهذه غالبهايكون قول مالك وأحمد أرجح من القول الآخر وما يترجح فيها القول الآخر يكون ممااختلف فيه قول أحمد وهذا: كإبطال الحيل المسقطة للزكاة والشفعة ونحو ذلك الحيلالمبيحة للربا والفواحش ونحو ذلك وكاعتبار المقاصد والنيات في العقود والرجوع فيالأيمان إلى سبب اليمين وما هيجها مع نية الحالف، وكإقامة الحدود على أهل الجناياتكما كان النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون يقيمونها كما كانوا يقيمون الحدعلى الشارب بالرائحة والقيء ونحو ذلك وكاعتبار العرف في الشروط وجعل الشرط العرفيكالشرط اللفظي والاكتفاء في العقود المطلقة بما يعرفه الناس وأن ما عده الناس بيعافهو بيع وما عدوه إجارة فهو إجارة وما عدوه هبة فهو هبة وما عدوه وقفا فهو وقف لايعتبر في ذلك لفظ معين ومثل هذا كثير.
863 -بل قد يكون عند الرجل الدواوين الكثيرة وهو لا يحيط بما فيها بلالذين كانوا قبل جمع هذه الدواوين [دواوين السنة] أعلم بالسنة من المتأخرين بكثير، لأن كثيرا ممابلغهم وصح عندهم قد لا يبلغنا إلا عن مجهول، أو بإسناد منقطع، أو لا يبلغنا بالكليةفكانت دواوينهم صدورهم التي تحوي أضعاف ما في الدواوين وهذا أمر لا يشك فيه من علمالقضية.
864 -ولا يقولن قائل: من لم يعرف الأحاديث كلها لم يكن مجتهدا. لأنه إناشترط في المجتهد علمه بجميع ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم وفعله فيما يتعلقبالأحكام: فليس في الأمة مجتهد وإنما غاية العالم أن يعلم جمهور ذلك ومعظمه بحيثلا يخفى عليه إلا القليل من التفصيل.
865 -وهذا لأن لحوق الوعيد لمن فعل المحرم مشروط بعلمه بالتحريم، أو بتمكنه من العلمبالتحريم، فإن من نشأ ببادية أو كان حديث عهد بالإسلام وفعل شيئا من المحرمات غيرعالم بتحريمها لم يأثم ولم يحد وإن لم يستند في استحلاله إلى دليل شرعي.
866 -ومع هذا فالذين صلوا في الطريق [إلى بني قريظة] كانوا أصوب.
867 -وكذلك الخبر المروي من عدة جهات يصدق بعضها بعضا من أناس مخصوصينقد تفيد العلم اليقيني لمن كان عالما بتلك الجهات، وبحال أولئك المخبرين، وبقرائنوضمائم تحتف بالخبر وإن كان العلم بذلك الخبر لا يحصل لمن لم يشركه في ذلك. ولهذا كان علماء الحديث الجهابذة فيه المتبحرون في معرفته قد يحصللهم اليقين التام بأخبار، وإن كان غيرهم من العلماء قد لا يظن صدقها فضلا عن العلمبصدقها