826 -ولهذا قلت غير مرة: إن حُسْنَ الفعل يحصل من نفسه تارة، ومن الآمرتارة، ومن مجموعهما تارة. والمعتزلة ـ ومن وافقهم من الفقهاء أصحابنا وغيرهمالذين يمنعون النسخ قبل التمكن منالفعل ـ لا يثبتون إلا الأول، والأشعرية ـ ومنوافقهم من الفقهاء أصحابنا وغيرهم الذين لا يثبتون للفعل صفة إلا إضافة لتعلقالخطاب به ـ لا يثبتون إلا الثاني. والصواب إثبات الأمرين. وقَدْرٌ زائد يحصلللفعل من جنس تعلق الخطاب غير تعلق الخطاب، ويحصل للفعل بعد الحكم، فالخطاب مظهرتارة، ومؤثر تارة، وجامع بين الأمرين تارة.
827 -لكن التحقيق أنالفعل المعين كالصلاة في الدار المعينة لا يؤمر بعينها، وينهى عن عينها؛ لأنه تكليفما لا يطاق، فإنه تكليف للفاعل أن يجمع بين وجود الفعل المعين وعدمه، وإنما يؤمربها من حيث هي مطلقة، وينهى عن الكون في البقعة، فيكون مورد الأمر غير مورد النهىولكن تلازما في المعين، والعبد هو الذي جمع بين المأمور به والمنهي عنه، لا أنالشارع أمره بالجمع بينهما، فأمره بصلاة مطلقة، ونهاه عن كون مطلق. وأما المعينفالشارع لا يأمر به ولا ينهى عنه، كما في سائر المعينات، وهذا أصل مطرد في جميع ماأمر الله به من المطلقات بل في كل أمر.
828 -ثم يقال: ولو نهى عن الامتثال على وجه معين، مثل أن يقال: صَلِّولا تصل في هذه البقعة، وخِطْ هذا الثوب ولا تَخِطْه في هذا البيت، فإذا صلى فيهوخاط فيه فلا ريب أنه لم يأت بالمأمور به كما أمر، لكن هل يقال: أتى ببعض المأموربه أو بأصله دون وصفه؟ وهو مطلق الصلاة والخياطة دون وصفه، أو مع منهي عنه بحيثيثاب على ذلك الفعل وإن لم يسقط الواجب، أو عوقب على المعصية؟ قد تقدم القول فيذلك، وبينت أن الأمر كذلك، وهي تشبه مسألة صوم يوم العيد، ونحوه مما يقول أبو حنيفةفيه بعدم الفساد. وأن الإجزاء والإثابة يجتمعان ويفترقان، فالإجزاء براءة الذمة منعهدة الأمر، وهو السلامة من ذَمِّ الرب أو عقابه. والثواب: الجزاء علىلطاعة. وليس الثواب من مقتضيات مجرد الامتثال بخلاف الإجزاء؛ فإن الأمر يقتضيإجزاء المأمور به، لكن هما مجتمعان في الشرع؛ إذ قد استقر فيه أن المطيع مُثَاب، والعاصي معاقب. وقد يفترقان، فيكون الفعل مجزئًا لا ثواب فيه إذا قارنه منالمعصية ما يقابل الثواب، كما قيل:"رُبَّ صائم حظه من صيامه العطش، ورب قائمحظه من قيامه السهر"، فإن قول الزور، والعمل به في الصيام أوجب إثمًا يقابل ثوابالصوم، وقد اشتمل الصوم على الامتثال المأمور به، والعمل المنهى عنه فَبَرِئَتْالذمة للامتثال، ووقع الحرمان للمعصية. وقد يكون مثابًا عليه غير مجزئ إذا فعلهناقصًا عن الشرائط والأركان، فيثاب على ما فعل، ولا تبرأ الذمة إلا بفعله كاملًا. وهذا تحرير