ثم إن مصطلح (الكليات) هنا مقابل لمصطلح (الجزئيات) ، حيث إن الجزئيات كل ما يأتي تفصيلًا وتطبيقًا للكليات، سواء أكان ذلك منصوصًا عليه، أم مجتهدًا فيه تنزيلًا وتطبيقًا؛ فمثلًا قوله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} (النحل:90) ، فهذه الآية الكريمة أصل كلي يأمر بالتزام العدل عمومًا، والإحسان إلى الغير، لكن قوله تعالى: {وبالوالدين إحسانا} (البقرة:83) تفصيل لهذا الكلي، وكذلك قوله تعالى: {وقولوا للناس حسنا} (البقرة:83) ، تطبيق لهذا الكلي.
وقوله سبحانه: {كونوا قوامين بالقسط} (النساء:135) ، أمر كلي، يطلب من العباد أن يلتزموا القسط في شؤونهم كلها، صغيرها وكبيرها؛ أما قوله سبحانه: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} (النساء:58) فهو تفصيل وتطبيق لذلك الكلي.
و (كليات القرآن) خير معين للمفسر على تفسير كتاب الله، فهمًا وتقييدًا وتخصيصًا؛ كما أنها عون للفقيه من أجل الاستمداد منها فيما لا نهاية له من القضايا والمستجدات التي تطرأ على حياة الناس، وهذا مما امتازت به شريعة الإسلام على غيرها من الشرائع.
ومما ينبغي الإشارة إليه هنا، أن كثيرًا من (كليات القرآن) قد قررتها الكتب السابقة عليه، ولا غرابة في ذلك، فما دام المصدر واحدًا، وهو الله، ومادام المتلقي واحدًا، وهو الإنسان، فمن الطبيعي أن تكون هذه الكليات من الأمور المشتركة بين شرائع السماء، يقول ابن تيمية:"وقرر - القرآن - ما في الكتاب الأول من أصول الدين وشرائعه الجامعة، التي اتفقت عليها الرسل؛ كالوصايا المذكورة في آخر الأنعام، وأول الأعراف، وسورة سبحان، ونحوها من السور المكية .."، وهذا هو ما تشير إليه الآية الكريمة: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} (الشورى:13) ، فالآية تدل على أن ما شُرع في دين الإسلام من الأصول والكليات هو نفسه الذي شُرع في شرائع الأنبياء السابقين.
هذا، ويمكن تصنيف كليات القرآن إلى أربعة أصناف أساسية: كليات عقدية، وكليات خُلقية، وكليات تشريعية، وكليات مقاصدية، وفيما يلي شيء من البيان حول هذه الأصناف الأربعة:
أولًا: الكليات العقدية: يقصد بها الأصول الاعتقادية الإيمانية الكبرى، التي تمثل المرتكزات الأولية للدين، ويأتي في مقدمة الكليات العقدية الإقرار بالله وحده لا شريك له، والإيمان بالأنبياء والمرسلين، والسعادة الأخروية للمؤمنين، والشقاء الأخروي للمعاندين.
ومن الآيات التي تقرر الكليات العقدية، قوله تعالى: {الحمد لله رب العالمين} (الفاتحة:2) ، فقد أثبت سبحانه الحمد لنفسه، ووصف نفسه بأنه ربًا للعالمين؛ وقوله سبحانه: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون} (التين:4 - 6) ، فقد بيَّنت الآية أن السعادة الأخروية إنما هي من نصيب المؤمنين العاملين؛ وقوله سبحانه: {ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب} (آل عمران:195) ، وهذا تقرير للثواب الحسن يوم القيامة؛ وقوله تعالى: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} (الأنعام:90) ، أمر باتباع المرسلين والأنبياء السابقين، ونحو ذلك من الآيات التي تقرر أمورًا عقدية.
ثانيًا: الكليات الخُلقية: وهي كل ما يدل على صفة خُلقية، أو يحث عليها، ومن الآيات الدالة على هذه الكليات نذكر، قوله تعالى: {فاتقوا الله} (آل عمران:50) ، والتقوى من أمهات الأخلاق، والتقوى كما قال الشيخ عبد الله دراز"هي الفضيلة المركزية في نظام الشريعة الإسلامية"؛ وقوله تعالى: {فاستقم كما أمرت} (هود:112) ، والاستقامة من الصفات الخلقية الأساسية، الجامعة لمعاني الدين ومقاصده، والموجهة لما لا يحصى من أحكامه وآدابه؛ وقوله تعالى: {والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} (آل عمران:134) ؛ وهذا مدح لمن اتصف بهذه الصفات الحسنة؛ وقوله تعالى: {لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} (البقرة:264) ؛ وهذا نهي عن الامتنان؛ وقوله تعالى: {إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا} (الإنسان:9) ، وهذا وصف للمخلصين في أعمالهم، الطالبين رضا الله فحسب.
(يُتْبَعُ)