فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 2640 من 53113

كما تبشر من رزق بغلام بعد وجوده، فالمقصود أننا إذا نظرنا إلى ما بشر به هذا الملك حين قال: أبشر بنورين أوتيتهما، فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، فهذه الواقعة وقعت في المدينة، والذي يحدث بها ابن عباس رضي الله عنه، وسورة الفاتحة نزلت قطعًا في مكة، وهذا الحديث الذي في صحيح مسلم حمل بعض أهل العلم إلى قول غريب وهو أن سورة الفاتحة نزلت في المدينة، ولما استشكلوا قول بعض أهل العلم:إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصلي بمكة من غير قراءة الفاتحة، ومعلوم أنها من السور المكية، وهذا مشهور ومستفيض؛ قالوا: إذًا نزلت مرتين، وبعضهم قال: نزلت نصفين، وهذا غريب غاية الغرابة.

فعلى كل حال سورة الفاتحة نزلت في مكة، وهذا الملك جاء بالبشارة، وأما سورة البقرة فقد نزلت في أول ما نزل بعد الهجرة في المدينة، وبهذا يتضح معنى هذا الحديث، وما يرد عليه من إشكال، والجواب عنه والعلم عند الله تبارك وتعالى.

ومما يدل على مسألتنا الأصلية وهي أن جبريل أخذ الوحي من الله مباشرة؛ حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً"

ومما يدل عليه أيضًا قول ابن شهاب الزهري رحمه الله:"آخر القرآن عهدًا بالعرش آية الدين"، وهذا يدل على أن الاعتقاد السائد عند السلف رضي الله عنهم أن القرآن ينزل من الله تبارك وتعالى مباشرةً ولهذا عبر الزهري بقوله:"آخر القرآن عهدًا بالعرش آية الدين"فمعناه لو كان ينزل من السماء الدنيا، ما كان آخر القرآن عهدًا بالعرش آية الدين، فهذه مسألة مهمة يحتاج من نظر في هذا العلم إلى معرفتها، لأنه قد يشكل عليه بعض الأشياء التي يجدها في كثير من الكتب.

ثم هنا سؤال وهو: أن قوله تبارك وتعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) هذا إخبار عن نزول جملة القرآن في ليلة القدر، وهذه الآية من سورة القدر هي جزء من القرآن فهي بعض هذا القرآن، فهل نزلت معه، أو نزلت بعد إنزاله جملة؟ بمعنى أن الله أنزل القرآن سوى هذه الآية ثم نزلت هذه الآية بعد ذلك مخبرة عنه؟ أو بأسلوب آخر يقال:كيف جاءت هذه الآية (إنا أنزلناه في ليلة القدر) مخبرة بنزول القرآن في ليلة القدر وهي واحدة منه؟!

فالجواب: أن يقال: يمكن أن يكون (إنا أنزلناه) يعني: حكمنا بإنزاله؛ فهي إخبار عن أمر مستقبل.وعلى كل حال إذا فهمت ما سبق من أن الله عز وجل كتبه في اللوح المحفوظ، وأنزله إلى السماء الدنيا، وأن الله يتكلم به فيسمعه جبريل، فينزل بالآية على النبي صلى الله عليه وسلم إما ابتداء وإما بسبب معين؛ فنزل على النبي صلى الله عليه وسلم من جملة ما نزل مما يحدثه عن هذا القرآن هذه الآية (إنا أنزلناه في ليلة القدر) ارتفع عنك هذا الإشكال. وأما التمحل والتكلف في مثل هذه المسائل، فلم يكن من شأن السلف رضي الله تعالى عنهم، ولولا كثرة من يذكر هذه الأشياء لما ذكرتها، لأنها قد تصادف الإنسان ويجد أجوبة لا تصلح لذلك، والله تعالى أعلم.

ومما يدل على ذلك: حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشر خلت منه، والزبور لثمان عشرة خلت منه، والقرآن لأربع وعشرين خلت منه، وصحف إبراهيم لأول ليلة) وهذا بإسناد حسن وهو مطابق لقول الله عز وجل (إنا أنزلناه في ليلة القدر) .

ثم قد يسأل بعضكم فيقول: المشهور أن النبي صلى الله عليه وسلم نُبِّئ في شهر ربيع، فكيف نزل القرآن في ليلة القدر في رمضان؟!

فالجواب عن ذلك بأنه: يمكن أن يقال: إنه نزل إلى السماء الدنيا في رمضان، و نُبِّئ النبي صلى الله عليه وسلم في ربيع، وإذا عرفتم أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتدِئ بالرؤيا الصالحة ستة أشهر كما في حديث عائشة السابق، ثم بعد ذلك نزل عليه القرآن، ومن ربيع إلى رمضان ستة أشهر، ثم نزل عليه القرآن في ربيع، فإذا قلنا: إنه نزل إلى السماء الدنيا فلا إشكال، وإذا قلنا: ابتدأ إنزاله إلى النبي صلى الله عليه وسلم ـ وهو الوجه الآخر الذي جمعنا بينه وبين القول الأول ـ فيكون ابتدِئ بالرؤيا الصالحة ستة أشهر من ربيع إلى رمضان، ثم نزل عليه القرآن في رمضان، والله تعالى أعلم.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت