أنزل الشرع على قدرها: (فأقم وجهك للدين حنيفًا، فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم (( 26) وتلك آية من آيات الإعجاز البيان الذي لا يتسع المقام لتفصيله، وإنما وكدنا أن نلفت الذهن إلى وجوب اتخاذه أصلًا مكينًا يرتد إليه التفسير العلمي، ولا يخالف عن مقتضاه، وإلا خرج عن مفهوم الحق القرآني، وما تقضي الدلالة فيه.
على أنك لو أمعنت النظر العلمي في"قوام هذا الجمع"لتبدى لك أنه جمع بين"مثالية المبدأ، وواقعية الحياة الإنسانية"على نحو محكم، غير مستكره، لانتفاء الحرج والإعنات في الدين كما قلنا، لقوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج (( 27) ولقوله جل ثناؤه (ولو شاء الله، لأعنتكم (( 28) لكنه سبحانه لم يشأ هذا الإعنات لخلقه، وفي هذا دلالة بينة على أنه لا ينبغي للناس أن يوقعوا أنفسهم في عنت الحياة (29) الذي لم يرد الله تعالى إيقاعهم فيه، في أحوالهم العادية، إلا أن يكون جهادًا في سبيل الله، حيث تفرض التضحيات الجسام، بكرائم الأنفس والأموال، حفاظًا على القيم والمثل، والكيان، والعزة والسيادة في الأوطان، واتقاء من سوء المصير في الدنيا والآخرة، مما يقيم الدليل البين أيضًا، على أن مهمة القرآن الكريم هو توفير أسباب تحقيق وجوده عملًا، وإمكانية تنفيذ تعاليمه، ومقاصده، في الحياة الإنسانية، واستمرار تنفيذها من خلال السعة (30) والطاقة البشرية الموكول إليها هذا التنفيذ، كيلا ينقطع بهم"العنت"عن مواصلته، وحينئذ"لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له" (31) ولهذا كان مبدأ دفع الحرج في التكليف، والترخيص في مواقع الضرورة، أو المشقة البالغة غير المعتادة، مبدأ أصيلًا قاضيًا على التشريع كله، استثناء من عموم قواعده، وعلى هذا ينزَّل تفسير النص القرآني الذي تعلق حكمه بالمعاملات وغيرها من شؤون الحياة.
هذا، وضمانًا لهذا التنفيذ، قد أعدَّ الله تعالى الإنسان إعدادًا فطريًا خاصًا، وعلى أحسن تقويم، تمكينًا له من الأداء، في يسر، وقطعًا لما عسى أن يتشبث به من حبائل المعاذير، وإقامة للحجة البالغة عليه، لقوله تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم (( 32) وقوله عز وجل: (بل الإنسان على نفسه بصيرة، ولو ألقى معاذيره (( 33) ولقوله جل شأنه: (فلله الحجة البالغة (( 34) .
من خصائص النص القرآني، في تعاليمه، ودلالاته - اللغوية والعقلية - أنه لم يجتزئ بمجرد الهداية والتوجيه، بل أضاف إلى ذلك"الحكم"والهيمنة، ليتبوأ مركز"القيادة في الحياة الإنسانية"واقعًا، بما يرتب من"النتائج العملية"على الأداء، وسائر وجوه النشاط الإنساني.
ذلك، تحقيقًا لثمرات تعاليمه، بحيث تصبح أوضاعًا قائمة في المجتمع - اجتماعيًا، وسياسيًا، واقتصاديًا، وعسكريًا، ولكافة ما تقتضيه الحياة الإنسان المثلى، من مرافق - لما قدمنا، من أن"الحكم"في المفاد القرآني مستغرق لوجوه النشاط الإنساني كله، وهذا وصل عام ينبغي أن يكون مرعيًا في التفسير، ويعتمد بالضرورة على سعة ثقافة المفسر، في كل عصر، بما يوجب عليه أن يرتفع إلى المستوى الذي رسمته خيوط التقدم الثقافي والحضاري في عصره، أبان تفسيره، ليستجيب لحاجاته كمَلًا.
وهكذا ترى، أن النص القرآني في نظمه البياني المعجز، قد جاء على نحو يحتفظ لمعناه"الموضوعية"و"ديمومة الحكم"و"استمرارية الأثر"فضلًا عمَّا أحكم من الصلة بين الروح والجسد، والحياة والدين، والدنيا والآخرة، وحدة كاملة لا تقبل الفصل في أي منها، وما يوفر لها من عناصر القناعة بمنطقية تلك التعاليم، ويفسر معقولية الغاية القصوى من الوجود الإنساني على وجه هذه الأرض، بما ينفي عنها السُّدويَّة، والعبث، واللامعقولية التي تتجلى في فكرة الفناء الأبديّ الرهيب، مصداقًا لقول تعالى: (أيحسب الإنسان أن يُترك سدى (ولقوله عز وجل: (وما خلقنا السموات والأرض، وما بينهما لاعبين، ما خلقناهما إلا بالحق (، ولقوله عزَّ شأنه: (تبارك الذي بيده الملك، وهو على كلِّ شيء قدير، الذي خلق الموت والحياة، ليبلوكم أيكم أحسن عملًا (.
(يُتْبَعُ)