فذهب إلى عثمان رضي الله عنه وذكر له الخبر؛ فجمع عثمان - رضي الله عنه -من حضره من الصحابة جميعا ومنهم علي بن أبي طالب - رضي الله عنه- ثم عرض عليهم هذا الأمر؛ فقالوا ماذا ترى؟!
قال: أرى أن نجعلها على قراءة واحدة.
والسبب في ذلك أن الأحرف الستة نزلت بعد ذلك في المدينة تخفيفًا؛ لما كثر الداخلون في الإسلام من القبائل الأخرى .. فكانت تخفيفًا، وكانت رخصة كما قال ابن جرير الطبري ـ رحمه الله ـ كبير المفسرين.
فلما استغني عن هذه الرخصة وذلت ألسن الناس بالقرآن، وسببت هذه الرخصة فيما بعد إشكالًا عند الناس واختلافًا، رأى أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم- أن يستغنوا عن باقي الأحرف. وهذه الأحرف الباقية هي وجوه أخرى في القراءة .. أي أنهم لم يتركوا آية من القرآن، ولم يتركوا كلمة واحدة، إنما تركوا باقي الأوجه التي يقرأ فيها القرآن من الأحرف الستة الأخرى، ثم بعد ذلك جعلوه على حرف قريش، وكتب عثمان مجموعة من المصاحف .. بعضهم يقول خمسة، وبعضهم يقول سبعة، وبعضهم يقول غير ذلك. ولا يصح في العدد رواية، وأرسل بعضها إلى العراق (الكوفة و البصرة) وأرسل إلى اليمن، وأرسل إلى الشام، يقال أرسل إلى البحرين واحدًا، وأرسل إلى مكة واحدًا، وأبقى عنده في المدينة واحدًا. ولم يرسل إلى مصر ذلك الوقت شيئا.
الآن هذه المصاحف كتبت بطريقة خاصة .. هذه الطريقة هي التي عرفت فيما بعد بما يسمى بالرسم العثماني.
وهو من العلوم التي تدرس في بعض الجامعات وفيه مؤلفات، و فيه نظم يحفظه الطلاب ويدرسون شرحه، وفيه قواعد، فهو علم من العلوم القرآنية يسمى علم الرسم العثماني.
و وجد هذا في زمن الخلفاء الراشدين، وبالتحديد في زمن عثمان - رضي الله عنه -.
بعض ما ذكر من المؤلفات في هذا العصر:
إن صح ما نقله السيوطي في كتاب (الإتقان) عن ابن أشته في كتابه (المصاحف) وهو كتاب مسند. وهناك كتاب آخر اسمه (المصاحف) أيضًا لابن أبي داود السجستاني فيه الروايات المتعلقة بكتابة القرآن، وأشياء تتعلق بجمعه، وأشياء تتعلق ببعض وجوه القراءة, وأما كتاب ابن اشته فهو مفقود لم يصل إلينا إنما نقل منه السيوطي هذه الرواية من غير إسناد - وهذه الرواية تقول: بأن علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- كتب في مصحفه الناسخ والمنسوخ.
هذه الرواية يرويها لنا عن علي ـ رضي الله عنه ـ رجل من علماء التابعين وهو ابن سيرين. يقول ابن سيرين:"فطلبت ذلك الكتاب وكتبت فيه إلى المدينة فلم أقدر عليه".
و قد ساق الحافظ ابن عبد البر رحمه الله في كتابه (التمهيد) بإسناده لابن سيرين أنه قال"لما بويع أبو بكر أبطأ علي عن بيعته فجلس علي في بيته فبعث إليه أبو بكر: ما بطأك عني؟! أكرهت إمرتي؟"
فقال علي: ما كرهت إمارتك ـ وفي هذا رد على الرافضة ـ ولكني آليت - أي حلفت - أن لا أرتدي ردائي إلا إلى صلاة حتى أجمع المصحف , قال ابن سيرين:وبلغني أنه كتبه على تنزيله - أي كتبه مرتبًا على النزول - ولو أصيب ذلك الكتاب لوجد فيه علم كثير""
فابن سيرين ـ رحمه الله ـ يروي هنا قضية بعد وفاة النبي- صلى الله عليه وسلم-
.وهذه القضية لم يدركها ابن سيرين، فهذا عند علماء الحديث يسمى المرسل ..
يقول ابن عبد البر رحمه الله - بعد ما ساق هذه الرواية معلقًا - قال:"أجمع أهل العلم بالحديث أن ابن سيرين أصح التابعين مراسيلًا، وأنه كان لا يروي ولا يأخذ إلا عن ثقة وأن مراسله صحاح كلها .. ليس كالحسن وعطاء في ذلك والله أعلم"
هذا الكلام من ابن عبد البر يدل على أنه يصحح هذه الرواية المرسلة عن ابن سيرين رحمه الله تعالى.
مرحلة ما بعد الخلفاء الراشدين إلى نهاية القرن الأول الهجري:
فمما يذكر في ذلك أن زيادًا ـ وهو الأمير المعروف الذي يقال له (زياد بن أبيه) واستلحقه (أبو سفيان) فقيل له: (زياد بن أبي سفيان) ـ أمر أبا الأسود الدؤلي فوضع قواعد الشكل على المصاحف. وهذا هو المشهور .. خلافًا لما هو متعارف عند النحاة أن عليَّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - هو الذي أمر أبا الأسود الدؤلي بوضع قواعد النحو صيانة للنطق، وضبطًا للقلم، ولو صح هذا وهو أن عليًا - رضي الله عنه - هو الذي أمر أبا الأسود الدؤلي بوضع قواعد النحو؛ لكان هذا ضمن الإنجازات في زمن الخلفاء الراشدين فيما يتعلق بعلوم القران؛ لأن هذا
(يُتْبَعُ)