وكان النبي- صلى الله عليه وسلم- قد اتخذ جماعة من الكتاب يكتبون بين يديه ما ينزل من القرآن، فيكتبون الآية في العسب واللِّخاف - وهي شرائح الحجارة ـ الحجارة الرقيقة ـ، والأكتاف- عظم الكتف ـ؛ لأنه عريض، ويكتبون بما تيسر لهم من الوسائل المختلفة.
فكانوا يكتبون الآية بين يدي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والنبي صلى الله عليه وسلم يرشدهم إلى مكان الآية من السورة، يقول: ضعوا هذه الآية في سورة كذا في موضع كذا، فكانوا يؤلفون القرآن بين يدي النبي- صلى الله عليه وسلم- بمعني يرتبونه بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - .. والمقصود أنهم كانوا يرتبون الآيات بين يدي النبي- صلى الله عليه وسلم-؛ لأن ترتيب الآيات في داخل السور أمر توقيفي، أما ترتيب السور فسيأتي الكلام عليه في موضعه إن شاء الله.
إذًا هذه جملة من العلوم القرآنية التي عرفها أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- في العهد النبوي.
المرحلة الثانية: عهد الخلفاء الراشدين:
فبعد وفاة النبي- صلى الله عليه وسلم وقعت حروب الردة، فقتل في اليمامة فقط سبعون من القراء؛ والمراد بالقراء في اصطلاحهم في ذلك الوقت: هم أهل القرآن الذين يحفظون الآيات ويفقهون معانيها، فهم أهل العلم، فَقُتِلَ منهم سبعون في وقعة اليمامة. وهذا يدل على أن الحفظة لكتاب الله عز وجل كانوا كثيرين .. ولم يكونوا أفرادًا كما يُصوِّر بعض الناس.
فلما قتلوا فزع عمر - رضي الله عنه- فخاف أن يذهب شيء من القرآن فأشار على أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ أن يجمع القرآن، فتردد أبو بكر- رضي الله عنه - في أول الأمر ـ كما سيأتي- ثم شرح الله عز و جل صدره لذلك، فجاؤا بزيد بن ثابت - رضي الله عنه - وكان من حفظة القرآن، وكان ممن شهد العرضة الأخيرة التي عرضها النبي- صلى الله عليه وسلم- على جبريل مرتين في العام الذي توفى فيه ـ وهذه نقطة مهمة؛ لأن فيها جوابًا عن سؤال كبير .. وهو: لماذا اختير زيد بن ثابت وترك كبار الصحابة؛ كابن مسعود رضي الله عنه؟
والجواب أن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - كان عند أبي بكر في المدينة فاختاروه لذلك، وكان يقرأ بقراءة قريش بحرف قريش؛ وحرف قريش هو الذي كان يقرأ به عامة المهاجرين والأنصار، فاختير زيد بن ثابت لهذه المهمة، فتلكأ في أول الأمر، وتخوف ثم بعد ذلك شرح الله صدره للقيام بهذا العمل، فجمع القرآن في عهد أبي بكر - رضي الله عنه - جُمِعَ في صحف ـ من غير ميم ـ هذه الصحف غير مرتبة السور.
وهل جمع على حرف واحد؟ أو جمع على السبعة أحرف؟
الأقرب أنهم جمعوه على حرف قريش ثم احتفظ به أبو بكر - رضي الله عنه - عنده احتياطًا.
ثم لما مات أبو بكر - رضي الله عنه - صارت هذه الصحف إلى الخليفة من بعده - وهو عمر - واحتفظ بها، ثم لما مات عمر - رضي الله عنه - آلت الصحف إلى حفصة بنت عمر؛ لأنها وصية عمر، ثم لما جاء عثمان ـ رضي الله عنه ـ وأراد أن يجمع الناس على مصحف واحد طلب هذه الصحف من حفصة.
فالحاصل أنه في عهد أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - جمع في صحف , ثم استمر الأمر على ذلك وهو في هذه الصحف إلى خلافة عثمان.
المرحلة الثالثة: عهد عثمان رضي الله عنه:
مجموع الروايات يدل على أن هناك أمرين تزامنا، وكان جمع القرآن نتيجة لهما:
الأمر الأول: أن الغلمان بالمدينة اختلفوا في القراءة مع من يقرئونهم في الكتاتيب.
الأمر الثاني: و هو أن الأجناد الذين كانوا في أرمينيا وأذربيجان اختلفوا في القراءة، وهؤلاء الأجناد عبارة عن جيوش جاءت من أماكن مختلفة، وكل أخذ القرآن من القراء الموجودين في بلادهم والقرآن نزل على سبعة أحرف، وهؤلاء الجنود كثير منهم ليسوا طلبة علم ولا يعرفون هذه القضية، فصار الواحد منهم يسمع قراءة هذا من الشام، وقراءة هذا من العراق، وقراءة هذا من اليمن فيها نوع تغاير .. هذا يقرأ: (كأنه جمالة صُفر) وهذا يقرأ: (كأنه جمالات صفر) .. فجعل بعضهم يُخَطِّئ بعضًا، وتجادلوا فغضب حذيفه بن اليمان - رضي الله عنه- وقال: تقولون قراءة ابن مسعود، وقراءة أبي موسى الأشعري؟!
والله لأركبن إلى عثمان فليجعله على قراءة واحدة.
(يُتْبَعُ)