بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا،
من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:
فقد خلق الله الخلق لغاية عظمى وحكمة بالغة، هي عبادته وحده لا شريك له، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} ، وهو سبحانه غني عن خلقه وعبادتهم، لا ينفعه إيمانهم، ولا يضره كفرهم، ولكن من رحمته وحكمته أنه لم يخلقهم عبثًا، ولم يتركهم هملًا، بل بين لهم سبيل عبادته وطريق طاعته، فأنزل إليهم الكتب، وأرسل إليهم الرسل {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} فكان أن أنزل الله القرآن مهيمنًا على غيره من الكتب، وأنزله على خاتم النبيين وأشرف المرسلين محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} ثم أمره عز وجل بتبليغ كتابه {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} وأوحى إليه وحيًا ثانيًا يبين هذا الكتاب ويفسره {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} .
ثم قضى سبحانه بحفظ كتابه {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ومقتضى ذلك حفظ سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فهما أصل الإسلام -وهو الدين عند الله- وطريق النجاة {يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} .
ولكي يتحقق هذا القضاء الإلهي قيض الله لهذه الأمة علماء ربانيين، وجهابذة متقين، أفنوا أعمارهم في حفظ السنة وتدوينها ونقلها، ونفوا عنها انتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، وتحريف الغالين، فكانوا آية تذهل العقول وتحير الألباب، مصداقًا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَاتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ» . [1]
قال الإمام أحمد بن حنبل: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم. وكذلك ذكر عبد الله بن المبارك وعلي بن المديني والبخاري وغيرهم أنهم أهل الحديث.
وكان من هؤلاء العلماء الأفذاذ، الإمام الكبير الحافظ محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله
(1) متفق عليه، وهذا لفظ مسلم: 5059.