و"الجماعة"العاملة لدين الله تعالى، يجب أن تكون ملتزمة في أمورها بالشرع، في غايتها وأهدافها، في عقيدتها وفهمها، في حركتها وسعيها ولكننا هنا نخص بالذكر وجوب التزام الجماعة في حركتها بالشرع وانضباطها به تأكيدا على أهمية هذا الأمر.
إذ أن الآفة التي استشرت هذه الأيام وأدت إلى تعويق مسيرة كثير من التجمعات الإسلامية بل والتي أودت ببعضها وأهلكته وانحرفت به عن الجادة وعن الصراط المستقيم وألقت بالبعض في أحضان المداهنة والركون، كانت هي التخفف من ضوابط الشرع وتعدي حدوده.
والحق؛ أن العمل الإسلامي يحتاج دوما لأن يقبض الشرع على زمامه ويقوده.
إن كثيرا من الجماعات التي أرادت أن تعمل للإسلام نسيت أن عملها لابد أن يكون بالإسلام لا بغيره! إن الكثير من هذه الجماعات قد تحرر من ضوابط الشرع وتخطى حدوده في حركته، وظن أن رفعه لراية الإسلام والتكلم باسمه يسوغ له أن يعمل كما يهوى ويريد، وتدخلت الآراء والأهواء والسياسات والأمزجة في تسيير المسيرة بمعزل عن الشرع، فترى محرمات ظاهرة ترتكب وواجبات معلومة تترك باسم"مصلحة العمل والحركة"، لذا خرجت الأخيرة عن طوعه وتعدت حدوده وقدمت بين يدي الله ورسوله، ورفعت صوتها فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم، وهي بذلك تعطي الدليل على أنها تجهل تماما دينها أو تتجاهله أو تعرض عنه.
إن شرعتنا - بأحكامها وأوامرها ونواهيها، بكلياتها وجزئياتها - قادرة على أن تدفع عجلة العمل الإسلامي نحو الأمام وبسرعة فائقة لا يتصورها نفس القائمين على العمل الإسلامي، شريطة أن ينضبط العاملون وحركتهم بالشرع في الصغير من الأمور قبل الكبير.
أما أن تنصب"الحركة"قيما على الشرع، فما أحبته أجازته وما كرهته لفظته؛ فهذه جاهلية عمياء جديدة تلبس مسوح هذا الدين.
إننا نلح في تأكيد أن الشرع ليس قاصرا ولا ضيق الأفق ولا عديم المقدرة ولا عاجزا عن التقدم بمسيرة الحركة الإسلامية.
إن الإسلام هو الذي أوجب"الجماعة"فرضا عينيا لا يسعنا مخالفته في ذلك، لذا فإنا نعمل من خلال"جماعة"، وهذه الجماعة التي فرضها وأوجبها وأوجدها الإسلام يجب أن تمتثل له لا أن تخرج عن طوعه، يجب أن تسير وفق منهجه وأوامره، لا وفق هوى ومزاج القائمين عليها.
والعبء الأكبر في هذا الأمر ملقى على أكتاف علماء هذه الأمة الأجلاء، أعني العلماء الأتقياء المجاهدين الممتثلين لقول الحق جل وعلا، {الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله} [الأحزاب: 39] ، لا علماء الفتنة وطلاب الدنيا وخدم السلطان.
إن الدور المنوط بعلماء هذه الأمة دور رئيسي وحيوي، لابد أن يقوموا به لأن أحدا غيرهم لا يستطيع ذلك، ألا وهو دور قيادة الحركة الإسلامية بما لا يختلف عن الواقع ولا يعجز عن مجابهة التحديات ولا يقعد عن المواجهة، وفي نفس الوقت بما يوافق الشرع ويلتزم أوامره ويحقق مقاصده.
إن ترك العلماء لهذا الموقع أو إبعادهم عنه إنما يعني أن يتقدم الجهال أو مدعي العلم، إن عدم تقديم العلماء للمساهمة وبنصيب وافر في قيادة الحركة سيؤدي إما إلى تجاوز الحركة للشرع ومضيها بعيدا عنه وعن مقاصده، وإما إلى توقف الحركة أمام القضايا المختلفة التي تواجهها، فلا يدري القائمون على أمرها حكم الشرع فيها ويحتارون كيف يمضون!
إن الألوف المؤلفة من المواقف والقضايا والمشاكل والمعضلات التي تواجهها الحركة الإسلامية لتستلزم أن يتقدم أهل العلم الصفوف ويقودوا الركب وإلا فسوف يضل الركب حتما فإن الجاهل يفسد أكثر مما يصلح وإن العابد على غير علم كالسائر على غير طريق.