ونتوقف قليلا في بداية الحديث عن"الجماعة".
ونتوقف قليلا نتذكر أهدافنا، ونلقي نظرة سريعة على الطريق المفضية إليها ونستكشف مواقع أعدائنا المتربصين بنا.
ولعلها وقفات هامة وضرورية ليسهل الحديث عن"الجماعة"، لنتمكن من فهم واستيعاب مبررات أو موجبات العمل الجماعي.
أما عن أهدافنا: فإن الله تعالى قد أمرنا؛ {أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} [الشورى: 11] ، وقد قسمنا ذلك إلى هدفين رئيسيين:
أولا: تعبيد الناس لربهم.
والثاني: إقامة خلافة على نهج النبوة.
ثم تعال بنا نلقي نظرة على الطريق الموصلة لهذه الأهداف، الطريق التي ألزمنا أنفسنا بالسير على دربها، أو بالأصح التي ألزمنا الشارع سبحانه السير على دربها ...
والطريق عبارة عن ثلاثة فروض؛ منها ما هو فرض كفاية ومنها ما هو فرض عين - وهي الدعوة والحسبة والجهاد - تشابكت ثلاثتها لتكون لنا متن الطريق الذي سيمضي بنا نحو هدفنا.
وبنظرة سريعة نستطيع أن نتبين وبوضوح؛ أن الطريق بفروضه الثلاثة شاق غير ممهد، وأن السير على متنه يحتاج إلى جهد كبير وإلى بذل الكثير، حتى يمكننا التغلب على مصاعبه وتحمل متاعبه ومصارعة الأعادي المتربصين بنا على جنبات الطريق، وتجاوز كل ذلك للوصول إلى الهدف.
ولا يفوتنا أبدا استكشاف مواقع الأعداء، وتحديد عددهم وعدتهم ومناطق تمركزهم وقيادتهم.
وأعداؤنا كثيرون؛ النصارى، واليهود، والملاحدة، والوثنيون، وعبدة البقر، وعباد النار، والمرتدون، وحكامنا العلمانيون المبدلين لشرائع الإسلام وأعوانهم والطوائف المنتسبة للإسلام الممتنعة عن شرائعه والمنافقون.
أما عن أسلحتهم؛ فعندهم الإعلام والتعليم وأجهزة التثقيف والتوجيه، ومعهم السلطان والسنان، وعندهم الجيوش الجرارة بعدتها الفتاكة.
وكل هذه الأعادي وبكل هذا العتاد تقف متربصة بنا، متى بدأنا في وضع أقدامنا على أول الطريق انهالت علينا وقذفت إلينا بجيوشها وكادت بنا كيدها لتصدنا أو تهلكنا وتقطع سعينا نحو هدفنا.
وهذه الأعادي لم ولن تمل الحرب ضدنا وضد ديننا فإن هذا عملهم وشغلهم الشاغل: {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا} [البقرة: 215] ، {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم} [التوبة: 32] .
وتساءل معي: هل يمكننا أن نمضي فرادى على ظهر هذا الطريق؟
و هل يمكننا فرادى أن نقوم بالفروض الشرعية من دعوة وحسبة وجهاد بما يسقط الإثم عنا ويحقق المقصود منها؟
وهل يمكننا فرادى أن نتغلب على كيد وحرب الأعداء الذين سيحاربوننا - ولا شك - بمجرد أن نضع القدم على أول الطريق؟
وهل بمقدورنا أن نحقق ما نصبو إليه من أهداف بمحاولات فردية؟
لا يستطيع عاقل أن يجيب على أي من التساؤلات المطروحة بنعم.
إن كل المحاولات الفردية المبعثرة ستعجز حتما عن مواصلة السير، ستنقطع بعد خطوة أو خطوات يسيرة، وسرعان ما يضيع أثرها ويظل الطريق وعرا كما هو، ويظل الهدف بعيدا كما هو، ويظل العدو قويا متربصا كما هو، هذا إن لم تزدد وعورة الطريق وبعد الهدف وقوة العدو بتطاول الأزمنة.
و يأتي كل سالك ليبدأ الطريق من أوله بمعزل عمن سبقه وبتفرد عمن يجاوره فينقطع كما انقطع غيره ممن كان قبله ويهلك أو ينقلب. وتهلك دوما كل المحاولات الفردية والمبعثرة وتذهب آثارها أدراج الرياح.
إن ديننا وهو الكامل الشامل الخاتم ما كان ليغفل عن مثل هذا الأمر، وما كان ليغفل هذا الأمر، ما كان ليترك أتباعه فريسة هكذا.
إن ديننا يعي تماما وعورة الطريق وصعوبة التكليفات الملقاة على عاتق أتباعه ويعلم كذلك شراسة الأعداء ويعلم طبيعة المواجهة العنيفة والشاملة التي ستكون بين أتباعه وأعدائه.