والإخلاص - كما قدمنا - أحد شرطي قبول العمل.
أما الشرط الثاني؛ فهو متابعة النبي صلى الله عليه وسلم.
يقول ابن القيم رحمه الله عن أهل الإخلاص والمتابعة: ( ... هم أهل إياك نعبد حقيقة، فأعمالهم كلها لله، وأقوالهم لله، وعطاؤهم لله ومنعهم لله، وحبهم لله، وبغضهم لله، فمعاملتهم ظاهرا وباطنا لوجه الله وحده، لا يريدون بذلك من الناس جزاءا ولا شكورا، ولا ابتغاء المنزلة عندهم، ولا طلب المحمدة والمنزلة في قلوبهم، ولا هربا من ذمهم بل قد عدوا الناس بمنزلة أصحاب القبور، لا يملكون لهم ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا) .
فالعمل لأجل الناس، وابتغاء الجاه والمنزلة عندهم، ورجاءهم للضر والنفع منهم لا يكون من عارف بهم البتة، بل من جاهل بشأنهم وجاهل بربه، فمن عرف الناس أنزلهم منازلهم ومن عرف الله أخلص له أعماله وأقواله، وعطاءه ومنعه، وحبه وبغضه، ولا يعامل أحد الخلق دون الله إلا لجهله بالله وجهله بالخلق، وإلا فإذا عرف الله وعرف الناس آثر معاملة الله على معاملتهم.
وكذلك أعمالهم كلها وعبادتهم موافقة لأمر الله ولما يحبه ويرضاه وهذا هو العمل الذي لا يقبل الله من عامل سواه، وهو الذي بلا عباده بالموت والحياة لأجله، قال الله تعالى: {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا} [الملك: 2] ، وجعل ما على الأرض زينة لها ليختبرهم أيهم أحسن عملا.
قال الفضيل بن عياض رحمه الله: (العمل الحسن هو أخلصه وأصوبه) ، قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: (إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا لم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا) .
والخالص؛ ما كان لله، والصواب؛ ما كان على السنة.
وهذا هو المذكور في قوله تعالى: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} [الكهف: 110] ، وفي قوله: {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن} [النساء: 125] ، فلا يقبل الله من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه، على متابعة أمره، وما عدا ذلك فهو مردود على عامله، يرد عليه أحوج ما هو إليه هباء منثورا.
وفي الصحيح من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد) [رواه البخاري ومسلم] .
وكل عمل بلا إقتداء فإنه لا يزيد عامله من الله إلا بعدا، فإن الله تعالى إنما يعبد بأمره لا بالآراء والأهواء.
وتحقيق المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم، إنما هو الدليل الذي يقدمه العبد مبرهنا به على صدق محبته لربه، وبه ينال العبد محبة ربه، {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران: 31] .
وتحقيق متابعة النبي صلى الله عليه وسلم تعني أن يترك المسلم كل ما تعارف عليه الناس وكل ما ابتدعه الناس، ليقتفي أثر نبيه صلى الله عليه وسلم في عقيدته ونسكه، في تقواه وخلقه، في حكمه وقضاءه، في سلمه وحربه، في معيشته ومشيته، وكلامه وصمته، وذكره وفكره، ونومه ويقضته، متابعة كاملة في الصغيرة والكبيرة، وكيف لا وقد قال تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا} [الأحزاب: 21] .
وقال عز من قائل: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7] ، وقال جل وعلا: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} [الأحزاب: 6] ، وقال سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله، ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون} [الأنفال: 20] ، ولقد اقترنت طاعة الرسول بطاعة الله في أربعين موضعا في كتاب الله.
فالطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر الرسول صلى الله عليه وسلم واتبع سنته ولزم طريقته فإن طرق الخير كلها مفتوحة عليه.