فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 113

ومن جملة ما تتميز به غاية المسلم أنها تضبط الوسيلة الموصلة إليها، فهي لا تبرر لأصحابها الوسائل، ولا تتركهم أيضا يبررون في سبيل الوصول إليها الوسائل، بل إنها كما قلنا تضبط الوسيلة، وتنضبط من أجلها الوسيلة، فلا يتوصل إليها بفعل أو قول إلا أن يكون:

خالصا لله تعالى.

وموافقا لما جاء به نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم.

إن المسلمين الأوائل وحدوا غايتهم وحصروها في أمر واحد، كان قائلهم يقول: (لأجعلن الهم واحدا) ، أي لأجعلن رضا الله تعالى هو كل همي في هذه الحياة الدنيا، فتخلصوا من كل ما يعوق مسيرتهم ويقطعهم عن الوصول إلى غايتهم وتجردوا من ذواتهم وما تريده أنفسهم، وجعلوا مرادهم هو ما أراده منهم ربهم فصاروا بذلك أتقى الناس، وأعلم الناس، وأعدل الناس، وهداهم ربهم وأيدهم ونصرهم وجعلهم أعز الناس.

أما مسلمي اليوم؛ فقد ضل أكثرهم في اختيار وتحديد غايته، فمنهم من جعل رضا ربه خلف ظهره ومضى متبعا لهواه لا يلتفت عنه إلى غيره! ومنهم من ظن أن باستطاعته أن يتخذ مع رضا الله تعالى غايات أخرى فصار كما قال عز وجل: {رجلا فيه شركاء متشاكسون} [الزمر: 29] ، والله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك، فتركه وشركه وشركائه.

لذا أضحى مسلمي اليوم مع كثرتهم؛ غثاء كغثاء السيل، وتهاووا في كثير من الضلالات والجهالات، وتفرقت بهم السبل وفرقتهم الأهواء والشبهات.

وصارت أمتهم كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم قصعة الأمم، تداعت علينا الأمم، كل الأمم.

إن الأمر جد خطير، لأن ترك المسلمين لغايتهم التي ما خلقوا إلا لها، وإعراضهم عنها لا يعني فقط أنهم سيعيشون أذلة فوق سطح الأرض كما هو حادث اليوم إنما يعني أيضا أنهم سيفضون إلى خطر عظيم يوم القيامة كل بحسب إعراضه وبعده.

ففي الحديث: (ألا ليذادن عن حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم؛ ألا هلم فيقال: إنهم بدلوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا) [رواه مسلم] .

إن ترك رضا الله تعالى ليس له معنى إلا اختيار سخط الله تعالى غاية - عياذا بك اللهم - وليضحك الناس على أنفسهم ما شاءوا، وليسموا غاياتهم الباطلة أي تسمية عصرية تحلو لهم، فإنها بأي حال لن تعدوا أن تكون سخط الله تعالى.

فليسمها هذا سعيا نحو الاشتراكية، وليلبسها هذا ثوب الديمقراطية، وليخلع عليها ثالث اسم الانتصار للرأسمالية، وهذا رابع ينعق بالقومية العربية، وخامس ينادي بالعلمانية، و ... ليقولوا ما بدا لهم، وما حلا لهم، ما داموا قد تركوا الحق، {فماذا بعد الحق إلا الضلال} [يونس: 32] .

وصدق الله العظيم القائل: {أولاّئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار} [البقرة: 175] ، {ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون} [البقرة: 102 - 103] .

إننا نحذر قومنا؛ أن عودوا، أن {استجيبوا لربكم} [الشورى: 47] ، أن عودوا إلى رضا الله تعالى وليكن عزمكم صادقا، وسعيكم متواصلا، {يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به} [الأحقاف: 31] .

واعلموا أن نيل هذه الغاية العظيمة الكريمة يسير في غاية اليسر على من يسره الله عليه والطريق إليها واضح غاية الوضوح لمن هداه الله وهو سبحانه: {ويهدي إليه من ينيب} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت