عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك وسعديك والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: ومالنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا) [رواه البخاري ومسلم] .
حقا يا رب؛ إن رضاك أسمى وأغلى من كل نعيم.
ونحن نقدم رضاك يا ربنا على كل شيء، وأسوتنا في ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم الذي قدم سؤالك رضاك على سؤالك الجنة حين دعاك فقال: (اللهم إني أسألك رضاك والجنة) .
فإن الله تعالى أغلى من كل شيء وهو سبحانه من كل شيء أكبر، وكذلك رضاه أغلى من كل غاية؛ {ورضوان من الله أكبر} [التوبة: 72] .
إن الله تعالى هو الأول الذي لاشيء قبله، وهو الآخر الذي لاشيء بعده، وهو الظاهر الذي لاشيء فوقه، وهو الباطن الذي لاشيء دونه، وهو الحي القيوم، وهو العزيز الحكيم، وهو العليم الخبير، وهو السميع البصير، وهو ذو القوة المتين، وهو على كل شيء قدير، وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير، لا يحتاج إلى شيء؛ {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11] ، وهو الذي خلق من عدم، ورزق من فقر، وهو الذي يحيي ويميت، ويبعث من في القبور ويوم القيامة إليه النشور فيغفر لمن يشاء فضلا، ويعذب من يشاء عدلا، {ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون} [الزمر: 6] وكل ما سواه سبحانه يفنى ويبيد، {كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} [الرحمن 26 - 27] .
فكيف لا يكون رضاه تعالى هو غايتنا التي نصبوا إليها، ولها نسعى ونفر مما عداها لنلوذ بكنفها، وننعم بظلها؟ {ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين} [الذاريات: 50] .
ولقد علمنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن رضا ربنا هو ملجأنا ومعاذن.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: (فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان، وهو يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك) [رواه مسلم] .
"رضا الله تعالى"؛ غاية تتصاغر أمامها، بل تتلاشى كل الغايات، {والله خير وأبقى} [طه: 73] ، فمن وجدها ونالها وجد كل شيء، ولا يعوزه بعد ذلك شيء، أما من فقدها وضل عنها عياذا بك اللهم فقد خسر كل شيء، وذلك هو الذي أضله الله {وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله} [الجاثية: 23] .
وإن من رحمة الله تعالى بخلقه أنه تكفل سبحانه بتحقيق هذه الغاية لكل صادق ابتغاها، {الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب} [الشورى: 13] ، فإنه سبحانه لا يرد أحدا أتاه يطلب هداه، بل يعينه ويهديه، {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: 69] .
وفي الحديث القدسي: (قال الله تعالى: ... ومن تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة) .