ولكل مسافر زاده، وكلما طال الطريق كلما زاد وعثاء السفر، وكلما كثرت التضحيات كلما زادت الحاجة إلى زاد ...
فما قولك في مسافر إلى الله والدار الآخرة؟ ما قولك في مسافر لا يضع رحله إلا في الجنة أو النار؟
ما قولك في مسافر أول مسيرته ابتلاء في الدنيا وبقية سيره ترابا في قبره، ونهاية سفره الوقوف بين يدي ربه؟
ليت شعري أي زاد يحتاجه هذا المسافر؟
أي زاد يصلح لهذا المسافر؟
أي زاد يعينه في سفره؟
أي زاد يبلغه مأمنه وينجيه مما يخاف ويحذر؟
هل يصلح له المال أو البنون أم الجاه والسلطان؟
لا والله لا يصلح له شيء من ذلك زادا في الطريق إلى الله والدار الآخرة.
لا يغني شيء من ذلك وحده عن صاحبه شيئا، قال تعالى: {وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه يا ليتها كانت القاضية ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه} [الحاقة: 24 - 29] ، وقال: {اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا} [لقمان: 33] ، وقال: {يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ يومئذ شأن يغنيه} [عبس: 34 - 37]
لا يصلح شيء من ذلك زادا لنا، إن لنا زادا آخر ...
زادنا التقوى: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} [البقرة: 196] .
زادنا العلم: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 28] .
زادنا اليقين: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} [الأنبياء: 72] .
زادنا التوكل: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} [الطلاق: 3] .
زادنا الشكر: {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم} [النساء: 146] .
زادنا الصبر: {إن الله مع الصابرين} [الأنفال: 47] .
زادنا الصوم: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة: 183] .
زادنا الذكر: (أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه) .
زادنا الدعاء: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} [غافر: 60] .
زادنا الزهد في الدنيا: (ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس) [رواه ابن ماجة] .
زادنا إيثار الآخرة: {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا} [الإسراء: 19] .
هذا هو زادنا الذي يصلح للطريق، ويعين على السير على دربه، زاد يعين على التكاليف الشرعية التي أمرنا بها في هذه الحياة الدنيا.
هو المعين لنا على الأوامر حتى ننفذها، هو المعين لنا على اجتناب المناهي، هو المعين لنا على الصبر على الشدائد.
زاد يلزمنا لتحقيق النصر على أعدائنا، يلزمنا في تحقيق أسباب القوة المادية البشرية، ويلزمنا كسبب جالب للنصر من السماء.
زاد هو المعين على تكوين الشخصية الإسلامية المتميزة عما عداها من الشخصيات، وهو في نفس الوقت الدليل على صياغة الشخصية المسلمة صياغة صحيحة.
إننا الآن نقف في مواجهة كل قوى الشرك والظلم، لا نكاد نمتلك من العدد والعتاد إلا أقل القليل، بينما أعداؤنا يمتلكون تقريبا كل أسباب القوة المادية، نحن لا نكاد نجد بقعة من الأرض نأوي إليها آمنين، بينما أعداؤنا يسيطرون على العالم بأسره، ويقفون متحدين في وجه الإسلام، {وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض} [الجاثية: 18] .
فماذا بقي لنا نحن؟ {والله ولي المتقين} [الجاثية: 18] ، ونعم المولى ونعم النصير، {والله خير وأبقى} [طه: 72] .
إننا لم نؤمر إلا بإعداد ما استطعنا من قوة لنواجه كل هؤلاء، وما نستطيعه سيكون في فترات كثيرة أقل كثيرا مما يمتلكه الأعداء فكيف لنا بالنصر.