أما الإخلاص؛ فلأن الله تعالى لا يقبل عملا - أي عمل صغيرا كان أو كبيرا - إلا إذا كان خالصا لوجهه الكريم.
وفي الحديث القدسي يقول سبحانه: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري؛ تركته وشركه) [رواه مسلم] .
فالمسلم مأمور بأن يكون سعيه كله لله تعالى، عمله وقوله، ذكره وفكره، نومه ويقظته، عبادته ومعيشته، حبه وبغضه، منحه ومنعه، لله رب العالمين، {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له} [الأنعام: 164] .
فينبغي على العبد أن يخلص لربه في كل عمله، {قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين} [الزمر: 11] .
والإخلاص؛ هو تجريد القصد طاعة للمعبود سبحانه، وإفراده وحده بالعبادة، وحجز القلب عن الالتفات إلى الخلق عند معاملة الرب، وتصفية العمل من كل شوب.
ومن عرف حقيقة كمال الرب تعالى، وعظمته وجلاله وقدرته وعزته وحكمته، ونعمه وستره، وحلمه وبره ولطفه وكرمه، وآمن بأنه، {هو الأول والآخر والظاهر والباطن} [الحديد: 3] .
وعرف في ذات الوقت حقيقة الخلائق، وأنهم؛ {لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه} [الحج: 73] ، وأنهم؛ {ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا} [الفرقان: 3] ، وأنهم؛ {ما يملكون من قطمير} [فاطر: 13] .
من عرف كل هذا؛ كيف يصرف بعد ذلك عملا لغير الله؟ وكيف يعلق قلبه بغير الله؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) [رواه البخاري ومسلم] .
فكل عمل غاب عنه الإخلاص فهو الهباء المنثور، وإن أعظم الأعمال تنقلب وبالا على أصحابها في الدنيا والآخرة إذا كانت غير خالصة لله رب العالمين.
وقد أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم أن أول ثلاثة تسعر بهم النار يوم القيامة: (رجل تعلم العلم وعلمه ليقال عنه أنه عالم، ومقاتل خرج وقاتل مع المسلمين حتى قتل ليقال عنه أنه شجاع، وغني أنفق ماله وتصدق ليقال عنه أنه جواد) [رواه مسلم] .
فتحولت أعظم الأعمال إلى نقمة وبلاء على أصحابها بتركهم الإخلاص.
وضد الإخلاص الرياء، وأصل الرياء طلب المنزلة في قلوب الخلق بالقول أو العمل، ويستوي في ذلك الفعل والترك.
والرياء قد يكون محضا، كحال المنافقين الذين قال تعالى فيهم: {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس} [النساء: 142] .
وقد يكون العمل لله ولغيره معا ابتداء.
وقد يكون العمل ابتداء لله وحده ثم يطرأ عليه الرياء.
والمسلم مأمور بمجاهدة نفسه حتى تخلص في كل عمل وتتخلص من كل صور الرياء، ويخطئ من يترك العمل الصالح مخافة الرياء بل عليه أن يعمل وأن يخلص، {فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} [الكهف: 110] .
والإخلاص ضروري ومطلوب لكل نفس حتى تتخلص من ذاتيتها وهواها حتى يصير مرادها هو عين ما أراد الله تعالى منها.