إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله.
{يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102] ، {يا أيها الذين أمنوا اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تتساءلون به الأرحام إن الله كان عليكم رقيبا} [النساء: 1] ، {يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} [الأحزاب: 70 - 71] .
أما بعد ...
قال تعالى: {وعد الله الذين أمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا} [النور: 55] .
هذا وعد من الله تعالى بالنصر والعز والتمكين، يتراءى لنا كشعاع أمل يلمع بريقه يضيء لنا الطريق في هذا الظلام الدامس الذي يكتنف أمتنا.
هذه الأمة التي سادت بالإسلام ردحا طويلًا من الزمان، امتدت خلاله خلافتنا لتظل معظم البلدان تقودها بكتاب الله، ها هي اليوم تتجرع كأس المذلة والهوان، وقد أضحى مجدها وعزها أنشودة قديمة يتغنى بها ويتسامر الأبناء، ها هي تسقط وتتمزق خلافتها إلى دويلات، منها ما اقتطعه النصارى، ومنها ما أقتنصه اليهود ومنها ما استولى عليه الملاحدة وعبدة الأوثان، وأما ما بقي منها يحمل اسم الإسلام فقد علاه حكام علمانيون.
تكالب علينا الأعداء، مدارس ومذاهب، نظريات وفلسفات هيئات ومؤسسات، أمم وممالك تجتمع كلها على حرب الإسلام أهله، منها ما يؤزه حقد دفين، ومنها ما يدفعه عداء قديم.
ويشهد مطلع القرن العشرين واحدة من أعتى الضربات التي وجهها الأعداء لأمتنا، إسقاط الخلافة، وليت الكيد وقف عند هذا الحد، بل راحوا ينهشون بمخالبهم في عقول أبناء الإسلام أفهامًا غريبة عجيبة ليلبسوا علينا ديننا، حتى إذا ما أفقنا يوما، وأردنا أن نعود، عدنا ولكن إلى غير مأوى نأوي إليه.
عدنا إلى ضياع فكري يختلط فيه الخبيث بالطيب فيلتبس الحق علينا ونضل الطريق وضاع الفهم الصحيح للإسلام من العقول، كما تلاشت من فوق الخارطة: الخلافة، هذا حالنا وإن شئت قلت هذه محنتنا التي أوقعنا فيها جهلنا وتفريطنا قبل أن يوقعنا فيها كيد أعدائنا،
ويبقى وعد الله تعالى للذين أمنوا وعملوا الصالحات؛ {وليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم يدنهم الذي ارتضى لهم وليبدلهم من بعد خوفهم أمنا} [النور: 55] .
ولقد مكن الله تعالى للجيل الأول من هذه الأمة - جيل الصحابة - حينما نجحوا في التزام الإسلام وامتثاله، وصياغة النفس وفق منهجه وجعله وحده أساسا لوحدتهم ومحورا لتجمعهم، ثم تقدموا يعملون به وله من خلال حركة جماعية منظمة.
هذا هو طريق سيادتهم وتمكينهم، وأنه لهو طريق عودتنا، إن نحن أفقنا يوما وأردنا أن نعود لإسلامنا، إن نحن قبلنا يومًا أن {ولينصرن الله من ينصره} [الحج: 40] .
ولذا نقدم"ميثاق العمل الإسلامي"؛ نقدمه تبيينا وتوضيحا وتذكيرا بأسس وأصول شرعية ما كان لها أن تغيب عن أي حركة إسلامية يهمها أن تلتزم وتنضبط في كل أمورها بالشرع الحنيف.
وهذه الأسس ليست مستحدثه ولا مبتدعه بل هذه مسلمات ثابتة لا يسع مسلم أن يتجاهلها فضلا عن أن ينكرها، ولكنها للأسف غاب بعضها أو أكثرها عن الكثيرين من العاملين لهذا الدين، فهذا يعلم منها شيئا ويجهل الآخر، وذلك يعمل بشيء منها ويهمل الآخر.