فلما طال غيابها وتعمد من تعمد تغيبها ما كان لنا أن نسكت، فرأينا أن من الواجب علينا تقديمها أو قل تبينها نصيحة منا لأبناء أمتنا، توضيحا لمعالم الطريق، وتحديدا لغايته، وبيانا لكيفية السير على دربه، حرصا على العمل الإسلامي أن يخوضه الرجال بغير وضوح في الرؤية، حتى لا تتذبذب الحركة في منصف سيرها، أو تحيد عن الطريق المستقيم إلى السبل، وما أكثر السبل، وما أوعر السبل، وحتى لا ننسى غايتنا، أو يلتبس علينا أمرنا، أو نهمل واجبنا، ومحاولة لضبط الحركة الإسلامية بأصولها الشرعية التي إن تركتها ضاع أملها في النصر، هذا ما أردنا بتقديم هذه الأسس والأصول حتى إذا ما اتضحت ورسخت في النفوس أمكننا عندئذ أن نجتمع حولها لنعمل في جماعة واحدة للإسلام.
فتكون هذه الأصول بمثابة تقدمة لا بد منه لإيجاد وحدة فكرية ضرورية قبل البدء في المسير، إن من يهمل أمر هذه الوحدة الفكرية التي ننشدها ويتخطاها ليقدم عليها تجميع الصفوف، من يفعل ذلك يخطئ خطأً بينًا، إذ أنه يحمل في طيات حركته وهو لا يدري عوامل فنائها، تجمعا لا انسجام بين أعضائه، إنما يعني حشدا غير منظم لإفهام غير متجانسة، وعند أول اختبار حقيقي ينفرط العقد وتتناثر وقد تتناحر حباته.
فأي تجمع واحد يعمل للإسلام قبل الاتفاق والانسجام التام بين أفراده حول الأسس الشرعية التي تحكم هذا التجمع لا بد أن يجيب أفرد هذا التجمع قادة وجنودا على عدة تساؤلات.
ما هي غايتنا التي نسعى إليها؟
ما هي عقيدتنا التي ندين بها؟
ما هو فهمنا الذي نتحرك به؟
ما هو طريقنا لتحقيق هذه الأهداف؟
ما هو زادنا؟
لمن يكون ولاؤنا؟ ومن نعادي؟
من الذي نقبله داخل صفوفنا؟ ومن الذي نرده ونرفضه؟ ولم؟
ولسنا بحاجة إلى القول بأن الإجابة على هذه لا التساؤلات يجب أن تكون نابعة من الإسلام وحده، الإسلام كما أنزله الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وكما علمه لنا علماؤنا من سلفنا الصالح، وكان هذا الميثاق محاولة منا متواضعة قدر جهدنا المتواضع لتبيين وتوضيح المعالم والملامح الشرعية والفكرية التي على الجماعة المسلمة أن تلتزم بها، فإن كنا قد أصبنا في ذلك فمن الله تعالى وحده؛ {ما أصابك من حسنه فمن الله} ، وله سبحانه الحمد والمنة، وإن كنا قد جانبنا الصواب قيد أنملة، ولو في كلمة واحدة فمن أنفسنا؛ {وما أصابك من سيئة فمن نفسك} ، ودين الله بريء من ذلك، منزه عنه، ونحن أول من يبرأ إلى الله من ذلك، ونرجع عنه لنلتزم ما يمليه علينا إسلامنا.
ونحن اليوم إذ نقدم"ميثاق العمل الإسلامي"؛ إنما نقدمه خلاصة للتجربة التي عاشتها"الجماعة الإسلامية"في ضوء المواجهة التي خاضت غمارها ضد أعداء ديننا في ذي الحجة/سنة 1401 هجري، [أكتوبر/سنة 1981] ، والتي قدمت فيها الكثير من أبنائها شهداء - نحبسهم ولا نزكي على الله أحدا - {حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} [الأنفال: 39] .
نقدم"ميثاق العمل الإسلامي"في الوقت الذي يحاكم فيه المئات من أبناء الجماعة الإسلامية ويطالب بقتلهم، فما يزيدهم ذلك إلا إيمانًا وإصرارًا، إيمانًا بأن الأمة الإسلامية ستقوم يومًا ولا بد من رقدتها كي تتقدم من جديد، وإصرار على مواصلة السعي، لمد يد العون لهذه الأمة حتى تقال من عثرتها، {ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم، وعد الله لا يخلف الله وعده} .
ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم.
الجماعة الإسلامية، بمصر
سجن ليمان طره
25/جمادي الأولى/1404 هـ
27/فبراير/1984م