وأساس بناء صف المرابطين المتين هو الاعتصام بحبل الله وحده، يعني بعهده ونهجه وسبيله، ليس حبلا آخر من حبال الأهواء والنفوس، فسبيل الله وحده هو أساس بناء رباطنا وجهادنا، لا سبيل ذات أو عصبية، سواء كانت تلك العصبية عصبية الجنس أو الأرض أو العشيرة، أو عصبية البيت أو الجماعة أو غيره.
والاعتصام بحبل الله؛ لا يعني إلا التجمع على تصور واحد منبثق من تعاليم الإسلام الواضحة لتحقيق هدف محدد صحيح، تحت لواء الله الكبير المتعال، ذلك اللواء الذي تصغر معه أحقاد النفوس وسخائفها، وتشفى معها أدواء القلوب وأدرانها، وتتقازم إلى جواره الأطماع الشخصية والرايات العنصرية.
وبغير هذا الأساس وهو الاعتصام بحبل الله وحده لن يقوى ذلك البناء على تحمل التبعات والتكاليف المناطة به وهو أمر لو تعلمونه جد شاق عسير.
قال ابن القيم رحمه الله: (من أراد علو بنيانه فعليه توثيق أساسه وإحكامه وشدة الاعتناء به، فإن علو البنيان على قدر توثيق الأساس وإحكامه، فالأعمال والدرجات بنيان وأساسها الإيمان ومتى كان الأساس وثيقا حمل البنيان واعتلى عليه، وإذا تهدم شيء من البنيان سهل تداركه، وإذا كان الأساس غير وثيق لم يرتفع البنيان ولم يثبت، وإذا تهدم شيء من الأساس سقط البنيان أو كاد، فالعارف همته تصحيح الأساس وإحكامه، والجاهل يرفع في البناء عن غير أساس فلا يلبث بنيانه أن يسقط، قال تعالى: {أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أمّن أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم} [التوبة: 109] ، فالأساس لبناء الأعمال كالقوة لبدن الإنسان، فإذا كانت القوة قوية حملت البدن ودفعت عنه كثيرا من الآفات، وإذا كانت القوة ضعيفة ضعف حملها للبدن، وكانت الآفات إليه أسرع شيء) [1] .
"الفوائد"لابن القيم، ص 229 - 230.