{فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} [الروم: 8] .
إن التاريخ مدرسة جامعة لكل معتبر، والإسلام يدعونا دائما للتفكر في حال الأمم السابقة، وأخذ العظة مما حل بها نتيجة كفرها وعنادها مع الله عز وجل، {تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين} [الأعراف: 100] .
وتاريخ أمتنا الإسلامية حافل بعبر ودروس تنير الطريق وتوضح السبيل سبيل المؤمنين الصادقين الذين يبتغون فضل الله ورضوانه.
فسيرة نبينا صلى الله عليه وسلم سيد الأنبياء وخاتم المرسلين تمثل الحياة المثلى لما يجب أن يكون عليه المسلم، وجهاده صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام ومعارك الإسلام التي دارت مع قوى الكفر في بدر وأحد والأحزاب والفتح وغيرها، إنما هي صفحات خالدة سطرها المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لتكون أنوارا هادية وسراجا مضيئا لكل من يقتفي أثرهم ويسير على هداهم.
وعبر التاريخ الطويل الحافل لأمة الإسلام حدثت أحداث جسام، ووقعت خطوب يشيب لها الولدان، وقامت دول وممالك، وزحفت جحافل وجيوش تدير رحى الحروب شرقا وغربا، وشمس الإسلام ساطعة لا تغيب عن الأرض أبدا.
ثم تكالبت قوى الكفر وتحالفت أيدي اليهود والنصارى والملاحدة تمزق الأمة الواحدة، حتى سقطت الخلافة سنة 1924 م.
والجماعة الإسلامية - وهي تسعى لإعادة الخلافة الإسلامية - وتجعل ذلك هدفا تضعه نصب عينيها، لابد لها أن ترصد حركة التاريخ وتعي دروسه وتفصل الأصيل عن الدخيل.
لابد للجماعة المسلمة وهي تنطلق نحو هذا الهدف العظيم أن تستوعب تجارب الحركات الإسلامية الحالية والسابقة، تتعلم منها، تأخذ حسناتها، وتستفيد من عطائها، طالما كان متفقا مع أوامر الشرع، وتدرس أخطائها وسيئاتها، إن وجدت، ولماذا لم يحالفها النجاح؟ وكيف تمكن الأعداء منها؟ وغير ذلك من الوقائع والأحداث التي تجعلها الجماعة الإسلامية محل دراسة وتدبر وتمحيص، وبذلك لا تكون بدايتنا هي نفس بداية الآخرين، بل تكون نقطة انطلاقنا من حيث انتهى من سبقنا.
ومن الحركات الإسلامية التي تحتاج إلى دراسة وبحث؛
الحركة الوهابية التي قامت في الجزيرة العربية، والحركة السنوسية في ليبيا، والحركة المهدية في السودان وغيرها من تجمعات نادت بالإسلام عقيدة ومنهجا وقامت من أجل ذلك، وحركة الإخوان المسلمين، وثورة الخميني في إيران، ثم حركات الجهاد الإسلامي التي تتفجر كل يوم في أنحاء العالم الإسلامي من الفليبين وأفغانستان شرقا مرورا بسوريا ومصر حتى أقاصي المغرب العربي.
إن أعداءنا يرصدون كل حركة وتجمع يرفع راية الإسلام ويحللون ويتابعون رغبة في الكيد لهذا الدين، فما أحرانا نحن بهذه الدراسة وهذه المتابعة وهذا البحث، فإن جسامة المهمة وعظم الأمانة يوجب علينا أن نكون أعمق فهما وأوسع خبرة وأقدر على مواجهة التحديات الحديثة.
وسيكون هذا طريقنا لتتوحد جهود المخلصين وتتضامن الحركات الإسلامية الجادة الصادقة التي تمتثل لأحكام الشرع، عملا بقوله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} [آل عمران: 102] .