فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 113

ولئن كانت غاية المسلم هي قبلته التي يولي وجهه شطرها في كل عمل يعمله، أو قول يتلفظ به، أو نية يعقد القلب عليها، فإن عقيدته هي التي ستدفعه من داخله وتسيره نحو غايته فتحثه أن يتقدم وتمنعه من أن يتوقف فضلا عن أن ينقلب.

ومتى تخلفت العقيدة أو ضعف في القلب أثرها؛ توقف السعي أو انتكس، ومن ثم ابتعد العبد عن غايته وسعى بما يباعد بينه وبينها، فالعبد إما مقبل على الله تعالى أو معرض عنه والعياذ بالله فإن دفعه إيمانه فأقبل وإلا جذبته الشياطين للوراء.

والعقيدة ليس ادعاء يدعى، وليست مجموعة من القضايا الكلامية التي يجيد الحديث عنها أهل الكلام وعلماء البيان وإن إطلاقها وترديدها بالألسن والتشدق بها وتنميق الحديث بذكرها وتسطير الصفحات وتحبير المجلدات بالجدل حول قضاياها ... كل هذا لا يكفي بل ولا يجدي ولا يغني عن صاحبه شيئا.

إنها يقين يستقر في القلب فينعكس على الفور أعمالا للجوارح.

ولقد حرص القرآن أشد الحرص على التنبيه والتوكيد على هذه الحقيقة، إن إلحاح العمل الصالح على الاقتران بالإيمان في القرآن وملازمته له في مواضع يصعب حصرها من كثرتها، هذا الإلحاح ليشير بصراحة إلى أن العقيدة لابد أن يصحبها، ويرافقها العمل إذ إنه الدليل على وجودها بالقلب.

إن للعقيدة أثرا ماديا لابد من ظهوره جليا ليبرهن على صحتها أو صدقها.

{إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولائك هم خير البرية} [البينة: 7] ، {وأما من آمن وعمل صالحا فله الجزاء الحسنى} [الكهف: 88] ، {من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم} [البقرة: 62] ، {من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [المائدة: 69] ، {فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [الأنعام: 48] ، {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى} [طه: 82] ، {إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولائك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا} [مريم: 60] ، {فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين} [القصص: 69] ، {إلا من آمن وعمل صالحا فأولائك لهم جزاء الضعف} [سبأ: 37] ، {وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار} [البقرة: 25] ، {والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولائك أصحاب الجنة} [البقرة: 82] ، {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولائك أن يكونوا من المهتدين} [التوبة: 18] ، {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم} [النساء: 147] .

إنها إشارات صريحة تتابع في الكثير من الآيات بحيث لا يستطيع أحد أن يتجاهلها إلا من عميت بصيرته؛ {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} [الحج: 46] .

وفي الحديث أيضا تكثر الإشارات الدالة على أن العمل جزء لا يتجزأ من الإيمان.

يقول صلى الله عايه وسلم: (الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان) [رواه أبو داوود وابن ماجة والنسائي] .

ويقول: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) [رواه مسلم] .

ويقول: ( ... فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان، حبة خردل) [رواه مسلم] .

ويقول: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن) [رواه ابن ماجة] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت