ومما ينافي تحقيق المتابعة؛ أن يتبنى الرجال مناهج ونظريات ثم يحاولون تطويع الإسلام لها.
ومما ينافيها؛ جعل الرجال حجة على الشرع ومقياسا للحق، فيرجع إليهم بدلا من الرجوع للشرع.
ومما ينافيها؛ تقدم الرجل بفعل أو قول أو فهم على الكتاب والسنة، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} [الحجرات: 1] ، وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} [الحجرات: 2] .
ومما ينافيها أيضا؛ قصرها على جانب من الشرع دون آخر، كأن تكون في الشعائر دون الشرائع، في العبادات دون الحكم والقضاء، قال تعالى: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض} [البقرة: 85] .
فتحقيق المتابعة هو الضمان الأوحد للاستقامة على طريق الهدى والرشاد، والنجاة من سبل الغي والضلال، قال تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام: 153] .
وما تفرقت الأمة واختلفت إلا بغياب المتابعة.
وما ظهرت البدع والأهواء وشذ ثنتان وسبعون فرقة إلى النار إلا بغياب المتابعة، فلا عودة ولا رشاد ولا هداية ولا نجاة إلا إذا تحققت المتابعة التامة للنبي صلى الله عليه وسلم دون سواه.
وكل بدعة في الدين قبيحة، ليس فيها حسن، وصاحبها ممقوت وعمله مردود، والعون عنه مقطوع.
فهذه أخي المسلم؛ غايتك التي عليك أن لا تدخر وسعا في السعي لنيلها.
والطريق إليها هو تجريد القصد لله تعالى وتحقيق المتابعة لنبيه صلى الله عليه وسلم.
فإن أنت عملت لهذه الغاية وسرت على هذا الدرب فاعلم أنك ستعيش في هذه الدنيا بين الناس غريبا، لأن أكثر الناس قد ضلوا الطريق فلابد أن يستشعر أهل الحق الغربة بين أهل الباطل، غربة النور بين غياهب الظلمات.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء) [رواه مسلم] .
فأهل الدنيا يتنافسون على مالها ومتاعها وجاهها وعزها، لأنها دارهم وهي منتها قصدهم، هي غايتهم التي يسعون لتحصيلها ونيلها فكيف لا يتنافسوها ويتقاتلون عليها؟
أما أهل الآخرة؛ فإنهم في الدنيا غرباء.
قال صلى الله عليه وسلم: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) [رواه البخاري] .
فأنى لغريب أو عابر سبيل أن يلتفت قلبه إلى غير موطنه وداره؟
فحي على جنات عدن فإنها منازلنا الأولى وفيها المقام