نفهم الإسلام بشموله كما فهمه علماء الأمة الثقات المتبعون لسنة النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين المهديين رضي الله عنهم، وكم كنا نود أن يكفينا القول بأنا"مسلمون"، ليُعلم بداهة أننا نفهم الإسلام بشموله متبعين في ذلك علماء أمتنا وسلفنا الصالح.
ولكن - وبكل أسف - لم يعد هذا كافيا للدلالة على شيء مما نريده، ولم يعد وصف"مسلم"في زماننا هذا يدل من قريب أو من بعيد على كيفية فهم صاحبه لدينه، أو حتى على أن صاحبه يدرك ماهية الإسلام!
لقد صار من الطبيعي هذا الزمان أن تسمع عن؛"مسلم اشتراكي"، وآخر لبرالي، وثالث تقدمي، ورابع علماني وخامس ديمقراطي، ومسلم لا يرى الحكم بشرعة الإسلام أو لا تروقه بعض الحدود، وآخر غير مقتنع بالحسبة والجهاد.
ولئن دل هذا على شيء إنما يدل على أن الناس لم تعد تفهم الإسلام كما أنزل على محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، فلقد امتدت الأيدي الآثمة تعبث عبر قرون عديدة بأفهام المسلمين مشوهة لهذا الدين في عقولهم، لتزعزع ثقتهم به، ولتنقلهم عن الإيمان به حق الإيمان إلى الكفر به بالكلية، أو الانحراف في فهمه والتزامه.
ونقول - وبكل أسف -؛ لقد نجحوا في ما أرادوا وإلى حد كبير، نجحوا في طمس وتشويه معالم الإسلام وتحريف فهمه عند كثير من المسلمين، بل عند أكثرهم، إلا من عصمه الله.
لقد تعلم أعداؤنا عبر حروبهم الطويلة معنا، والتي امتدت طوال أربعة عشر قرنا من الزمان، تعلموا مما رأوه، تعلموا لما رأوا عروش كسرى وقيصر تتحطم تحت ضربات السيوف، وسيوف من؟! سيوف أبناء الجزيرة العربية.
تعلموا لما رأوا الإسلام يعود ليدحر التتار بعد ما اجتاحوا عاصمة خلافته ووصلت جحافلهم تحمل الدمار إلى حدود مصر الشرقية بعد أن طوت الشام والعراق وأواسط آسيا.
فإذا بالإسلام يعود بسواعد أبنائه الفتية ليشتت التتار، فلا تقوم لهم قائمة بعدها أبدا، ويبقى الإسلام وأهله.
تعلموا لما رأوا الإسلام يدحر جموع الصليبيين التي تتابعت على الشام ومصر عبر قرنين من الزمان.
تعلموا لما رأوا الإسلام ينطلق شرقا حتى يأخذ الجزية من أهل الصين، ويمتد غربا حتى يحتوي الأندلس، ويغزو قلب أوروبا، ويطرق بوابة"فيينا"... تعلم أعداؤنا أن الإسلام متى وجد أتباعا يؤمنون به، وبصلاحيته كقائد لهذا العالم شرقه وغربه، وللبشرية عربها وعجمها أبيضها وأسودها، ثم يعملون وفق قناعتهم لتمكين دينهم متى وجد الإسلام ذلك، فإنه سينتصر بإذن الله، {ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم} [الروم: 5] .
وطاش صواب الأعداء لما أدركوا هذه الحقيقة، ولما رأوها سنة من سنن الكون لا تتبدل ولا تتحول. سنة لا تتخلف بل تتكرر دائما، فكلما وفق له هذا كلما مكن وانتصر مهما كانت العقبات ومهما كانت شراسة وقوة الأعداء، ومهما كانت سعة الهوة في البداية بين أتباعه وأعدائه طاش صواب الأعداء، ولكنهم لم يكتفوا بالعض على الأنامل من شدة الغيض، {وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} [إبراهيم: 46] ، وحمى الله دينه من أن يمس بسوء، فاستحال ذلك عليهم و {ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس} [يوسف: 38] ، فحولوا دفة الكيد والمكر صوب أبناء الأمة الإسلامية أتباع هذا الدين كيما يصرفوهم عن دينهم.
فانصبوا علينا بكل ضراوة العداوة يحاولون تمزيق الإسلام في عقولنا وتشويه صورته، ومسخ حقيقته في أفهامنا، وانهالت معاول البتر والتجزئة والتحريف.