فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 113

واستمات الأعداء طوال أربعة عشر قرنا من الزمان في حربهم الفكرية على هذا الدين، والتي بدأتها قريش يوم قالت؛ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه شاعر وكاهن وساحر ومجنون، وما فتئت الجاهلية تكر وتفر، تقبل وتدبر، تطعن وتضرب وترمي هذا الدين في صدور أبنائه.

ويترنح الكثير من المسلمين، ويتساقط أكثرهم في عصرنا هذا صرعى تحت وطأة الهجوم الماكر، بل وينطلق من بيننا نحن المسلمين أقوام من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا لينحازوا إلى صفوف الأعداء ويصيروا دعاة على أبواب جهنم، يروجون للعدو سلعته وبضاعته ويرمون له سهامه ونباله، ودون مقابل! وتساندهم في ذلك حكومات بلادنا دون أن تنتظر هي الأخرى جزاءا ولا شكورا!

من الذي بقي يذب عن هذا الدين؟

فعامة المسلمين مشوهة فكرتهم عن الإسلام، والمثقفون منهم أبواق دعاية للعدو وأفكاره، وحكوماتنا تحمي بالسيف عملاء أعدائنا، بقيت قلة قليلة تعمل لهذا الدين ... وأنعم بهم وأكرم.

غير أن أكثرهم قد اضطر في نهاية المطاف إلى رفع راية التسليم، وأعلن عجزه عن مجابهة هذا التيار الجارف وهذا العداء الشرس، ورضي بهذا الإسلام المتطور المبتور المحرف الذي زرعه أعداؤنا في أرضنا وجارى أكثرهم على قلتهم عامة المسلمين في أفهامهم المستحدثة المبتدعة للإسلام!

فإذا بالعاملين لهذا الدين يقعون في الداء بدلا من أن يصفوا للناس الدواء.

فهذا يراه عبادات وشعائر، ويرفض أن يخرج بدعوته خارج نطاق الصلوات والأذكار، وكأن الجهاد والحسبة والحكم بشرعة الإسلام قد نسخها ناسخ.

وآخر لا يحدثك إلا عن تنقية الاعتقاد من الشعوذات والخزعبلات؛ ويكثر من الجدل والمناظرات، بينما يغض الطرف عن السلاطين العلمانيين المبدلين لشرع الله الخارجين عن ملة الإسلام.

وثالث يرى الإسلام تعلما وحفظا ومدارسة، أما الدعوة والحسبة والجهاد فحاشاه وكلا.

ورابع يدعو الناس للسنن الظاهرة، ولهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم في المأكل والمشرب واللباس والنكاح، أما هديه صلى الله عليه وسلم في الجهاد والقتال والحكم والقضاء، فإن بينه وبينه بعد المشرقين.

وخامس يعد العدة ويجمع السلاح ويرفع عقيرته؛ الجهاد ... الجهاد، وقد نسي أن يربي الرجال الذين يصلحون لحمل السلاح والذين سيقودون بعد ذلك البلاد والعباد.

ويتخبط أبناء هذا الدين العاملون له، يتخبطون ولا يستطيعون تقدما بدينهم، وتنكمش حركتهم لتقبع داخل أسوار

فهمهم القاصر لدين الله، وتتوالى الضربات والهزائم والنكبات تلحق بالإسلام وأهله، ويقف العامة موقف المتفرج، بينما العملاء والحكومات تساعد وتؤيد، ويقف العاملون لهذا الدين موقف العاجز الذي لا يغني عن نفسه ولا عن عقيدته شيئا.

من أجل هذا يصبح من الضروري لمن يريد أن يخرج الإسلام من هذه الدوامة القاتلة وينقله من الهزيمة إلى النصر، يصبح من الضروري، ومن البديهي، أن يرجع يتلمس مكمن الداء متحسسا آثاره مشخصا لطبيعته كمقدمة لوصف الدواء وبدء تجرعه وإن كان مرا، {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم} [البقرة: 216] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت